( ٥ ) عرفها لهم : وصفها لهم أو أخبرهم بمنازلهم فيها
فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ( ١ ) فَشُدُّوا الْوَثَاقَ( ٢ ) فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء( ٣ ) حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا( ٤ ) ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاء اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ ( ٤ ) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ ( ٥ ) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ( ٥ ) ( ٦ ) .
الخطاب في الآيات موجه إلى المسلمين كما هو المتبادر وقد تضمنت :
( ١ ) أمرا لهم بأن عليهم إذا لقوا الكافرين في الحرب أن يصدقوا في قتالهم حتى إذا أكثروا فيهم القتل وقهروهم، وضمنوا لأنفسهم الغلبة عليهم جنحوا إلى أسر ما بقي منهم، ويظل أمرهم معهم على هذا المنوال حتى تنتهي حالة الحرب، ويتخلص الناس من أعبائها.
( ٢ ) وتشريعا في حق الأسرى، فالمسلمون مخيرون فيهم بعد ذلك : فإما أن يمنوا ويتفضلوا عليهم فيطلقوهم بدون فداء، وإما أن يطلقوهم بفداء.
( ٣ ) واستطرادا تنبيهيا بأن الله قادر على التنكيل بالكفار والانتصار للمسلمين منهم بدون حاجة إلى قتالهم، ولكن حكمته شاءت أن يبلو بعضهم ببعض.
( ٤ ) وبشارة وتطمينا بأن الله تعالى لن يضيع أجر الذين قتلوا في سبيله. وأنه سيهدئ روعهم ويقر عيونهم ويدخلهم الجنة التي وصفها لهم
وقد أول الزمخشري جملة ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض بمعنى : أن الله شاءت حكمته بدلا من الانتقام منهم بدون قتال أن يبلو المؤمنين بالكافرين فيجاهدوا ويصبروا حتى يستوجبوا الثواب. والكافرين بالمؤمنين ليعاجلهم على أيديهم ببعض ما وجب لهم من العذاب. وقال غيره في تأويلها : ليصير المؤمنون إلى الثواب والكافرون إلى العذاب. وكلا القولين وارد ووجيه.
وقد يصح أن يضاف إلى هذا أن الجملة انطوت على تقرير كون قتال المسلمين للكفار هو الأكثر اتساقا مع طبائع الأشياء والأدعى إلى إيقاع هيبة المسلمين في قلوب الكفار، أو أنها رمت إلى معالجة جوابية لما يمكن أن يقوم في أذهان بعض المسلمين من تساؤل عما إذا لم يكن الأولى أن يبطش الله بالكفار وينتقم منهم دون تعريض المسلمين لشدة الحرب وخسارة الأرواح. ومثل هذه المعالجة سبق في سورتي الأنفال وآل عمران.
ولقد أورد ابن كثير على هامش الآيات ( ٤ـ٦ ) أحاديث نبوية عديدة في فضل الشهيد وثوابه عند الله عز وجل. ولقد أوردناه مع طائفة أخرى من الأحاديث من بابها في سياق آية سورة البقرة ( ١٥٤ ) فنكتفي بهذه الإشارة.
تعليق على الآية
فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب... الخ
والآيتين التاليتين لها ومسألة أسرى الحرب والرق.
ولم نطلع على مناسبة خاصة للآيات والمتبادر المستلهم من مضمونها وروحها أنها خطاب عام في معرض الحض على قتال الكفار مطلقا.
وإضافة تعبير ( وصدوا عن سبيل الله } إلى جملة الذين كفروا في الآية الأولى من السورة تدل على أن الأمر الذي احتوته الآية الأولى من الآيات التي نحن بصددها أي الآية الرابعة بقتال الكفار وضرب رقابهم حينما يلقاهم المسلمون هو صد الكفار الناس عن سبيل الله مع كفرهم. يتناول تعطيل الدعوة والكيد لها والعدوان على المسلمين وتعبير لانتصر منهم مما يؤيد ذلك ؛ لأن الانتصار هو رد العدوان ومقابلته بالمثل. وهكذا يكون الأمر بالقتال هنا متسقا مع المبادئ الجهادية التي انطوت عليها الآيات القرآنية وهي قتال المعتدي وليس قتال الكافر إطلاقا على ما شرحناه في مناسبات سابقة شرحا يغني عن التكرار.
وينطوي في جملة إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق حكم قرآني في هدف القتال وهو أنه ليس لللإبادة وإنما هو للتأديب والتنكيل والقهر. فحينما تتحقق هذه الغاية وجب الكف عن القتل والجنوح إلى الأسر.
وليس من تعارض بين هذا الحكم وبين ما ورد في جملة ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض الواردة في آية الأنفال ( ٦٧ ) بل وبينهما توافق. فهذه الجملة لم تمنع الأسر وإنما نبهت إلى أنه لا ينبغي أن يكون إلا بعد أن تكون هيبة النبي وقوته قد توطدتا في قلوب الأعداء ولم يبق من حرج في الأسر منهم بدلا من إبادتهم بالقتل، وحكم الجملة التي نحن في صددها قد سمحت بالأسر إذا ما أثخن المسلمون في أعدائهم وقهورهم، وتحققت لهم الغلبة عليهم.
وقد أورد المفسرون١ أقوالا معزوة إلى ابن عباس وعلماء التابعين في صدد تأويل الجملة حتى تضع الحرب أوزارها منها أنها بمعنى حتى تنتهي الحرب القائمة مع الكفار بتوبتهم وإسلامهم والانتهاء عن الشرك. ومنها أنها بمعنى الاستمرار في حرب الكفار إلى أن يكون في الأرض شرك أو حتى ينزل عيسى عليه السلام ويدخل الناس في دين الإسلام وقد أورد البغوي في تأييد هذا القول حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم جاء فيه ( الجهاد ماض منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال ).
ونحن نتوقف في التسليم بهذا التأويل على إطلاق. لأن هناك أحداثا يقينية الوقوع في العهد المدني تعارضه. منها أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل الفداء من أسرى بدر وأطلقهم وهم كفار وعادوا إلى مكة. وهذا ما انطوى في آيات سورة الأنفال ( ٦٧ـ ٦٩ ) التي مر شرحها، ومنها مصالحة النبي صلى الله عليه وسلم المشركين مع بقائهم على شركهم في صلح الحديبية الذي انطوى خبره في سورة الفتح المتأخرة كثيرا عن هذه السورة، وقد دخل نتيجة لذلك بنو بكر في صلح قريش وبنو خزاعة في صلح النبي مع بقائهم على شركهم. وهذا يسوغ القول : إن الجملة المذكورة تعني ( حتى تنتهي حالة الحرب بإسلام الكفار الذين كانت بينهم بين المسلمين حالة عداء وحرب أو التصالح معهم ووقوف حالة الحرب بينهم وبين المسلمين ولو بقوا مشركين.
وقياسا على هذا القول الذي نرجو أن يكون هذا الصواب فيمكن القول : إنه يشمل كل حالة حرب تكون بين المسلمين والأعداء المستحقين للقتال من الكفار كما هو المتبادر. ولقد أورد البغوي قولا للكلبي لجملة حتى تضع الحرب أوزارها إنها بمعنى حتى يسلموا أو يسالموا وقولا للفراء إنها بمعنى حتى لا يبقى إلا مسلم أو مسالم والتأويلان يدعمان تأويلنا كما هو واضح.
وجملة فإما منا بعد وإما فداء صريحة في أنها تجعل للمسلمين الخيار في الأسرى الذين يأسرونهم من الكفار بعد أن تنتهي حالة الحرب بأحد الشكلين السابقين بين المن والتسريح بدون فداء، والتسريح بالفداء. وصاحب الخيار هو ولي المسلمين بطبيعة الحال.
وهذه هي المرة الثالثة التي يرد فيها حكم قرآني في صدد أسى الأعداء وكانت المرة الأولى في آيات الأنفال ( ٦٧ـ ٦٩ ) أما آية سورة الأحزاب ( ٢٦ ) فإنها لم تحتو على حكم قرآني، وإنما احتوت على حكاية ما فعله المسلمون ببني قريظة حكاية قد تنطوي على إقرار ذلك. ولسنا نرى تناقضا أو تعارضا بين آيات الأنفال والآية الرابعة التي نحن في صددها فآيات الأنفال تنبه على أنه لم يكن من مصلحة الإسلام والمسلمين أخذ أسرى من الأعداء قبل أن يثخن فيهم ويوقع الرعب في قلوبهم. وهذه الآيات تجيز ذلك في حال تحقيق الإثخان والرعب. ويكون كل من آيات السورتين مستمر المدى والتلقين حسب ظروف الأحداث ومصلحة المسلمين العامة وحالة المسلمين والعدو المادية والمعنوية.
ولقد كانت جملة فإما منا بعد وإما فداء مما تعددت الأقوال في حكمها ومداها في كتب المفسرين٢ عزوا إلى ابن عباس ومجاهد والضحاك والشافعي وأبي يوسف وغيرهم. منها أن حكم هذه الجملة منسوخ بآية التوبة هذه فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم ، وأنه لا يجوز المن على الأسير الكافر ولا الفداء بل القتل أو الاسترقاق. ومنها أن الآية محكمة، وأنها جعلت الخيار للإمام في المن والفداء.
وأن له أن يقتل أيضا ؛ لأن ذلك أبيح له في آية التوبة المذكورة آنفا. ومنها أن الآية لا تبيح القتل وحكمها هذا محكم وللإمام أن يمن أو يفادي أو يسترق. ويلحظ أن هذه التأويلات هي اجتهادية. وغير متسقة مع فحوى الجملة التي تحصر الحكم بين المن والفداء ؛ حيث يكون قائلوها قد مزجوا بينها وبين أحكام قرآنية ونبوية أخرى. ولقد مارس النبي صلى الله عليه وسلم أربع طرق مع الأسرى. وهي المن والفداء والاسترقاق والقتل على ما شرحناه في سياق تفسير آيات سورة الأنفال والأحزاب في أسرى بدر وبني قريظة. ومن صور المفاداة التي مارسها مفاداة مسلم بابن أبي سفيان وإيجاب تعليم بعض أبناء المسلمين على أسرى قريش الذين لم يكن معهم ما يفتدون به أنفسهم على ما ذكرناه في سياق تفسير آيات الأنفال. ولقد روى الترمذي عن عمران ابن الحصين ( أن النبي صلى الله عليه وسلم فد رجلين من المسلمين برجلين من المشركين٣ ) ولقد روى الشيخان والترمذي عن أبي هريرة حديثتا فيه حادث من نبوي غير أسرى بدر وقريظة في سياق طريف رأينا إيراده جاء فيه قال أبو هريرة ( بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيل قبل نجد فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له : ثمامة ابن أثال سيد أهل اليمامة فربطوه بسارية من سواري المسجد فخرج إليه رسول الله فقال : ما عندك يا ثمامة ؟ فقال : عندي يا محمد خير. إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر. وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت. فتركه النبي حتى كان بعد الغد فقال : ما عندك يا ثمامة ؟ فقال : عندي ما قلت لك. فقال رسول الله : أطلقوا ثمامة، فذهب إلى نخل قريب من المسجد، فاغتسل ثم دخل المسجد فقال : أشهد أن لا إلاه إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
يا محمد والله ما كان على الأرض وجه أبغض إلي من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه كلها إلي. والله ما كان من دين أبغض إلي من دينك فأصبح دينك أحب الدين كله إلي، والله ما كان من بلد أبغض إلي من بلدك فأصبح بلدك أحب البلاد كلها إلي. وإن خيلك قد أخذتني وأنا أريد العمرة، فماذا ترى ؟ فبشره النبي صلى الله عليه وسلم وأمره أن يعتمر، فلما قدم مكة قال له قائل : أصبوت ؟ قال : لا ولكني أسلمت مع رسول الله. ولا والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وروى البخاري وأبو داود عن مروان حديثا فيه حادث من آخر لسبي هوازن بعد أن تقرر استرقاقه وقسم على المسلمين. وفيه صورة رائعة من صور مشاورة النبي صلى الله عليه وسلم للمسلمين واسترضائه إياهم جاء فيه ( جاء وفد هوازن مسلمين إلى النبي وسألوه أن يرد إليهم أموالهم وسبيهم ( وكان المسلمون استولوا عليها في يوم حنين ) فقال لهم : أحب الحديث إلي أصدقه، فاختاروا إحدى الطائفتين إما السبي وإما المال، وقد كنت استأنيت بهم، فكان النبي انتظر آخرهم بضع عشرة ليلة حين قفل من الطائف. قالوا : إنا نختار سبينا، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسلمين، فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال : أما بعد فإن إخوانكم هؤلاء قد جاؤوا تائبين، وإني لرأيت أن أرد إليهم سيبهم. من أحب أن يطيب فليفعل، ومن أحب منكم أن يكون على حظه حتى نعطيه إياه من أول ما يفيء الله علينا فليفعل فقال الناس : طيبنا ذلك لهم يا رسول الله. فقا
التفسير الحديث
دروزة