سيئات المؤمنين وإسعادهم وإصلاح شأنهم وحالهم وأمورهم بسبب اتباع الحق وهو التوحيد والإيمان.
أي إن ذلك الإضلال والهدى المتقدم بسبب اتباع الباطل من الكافرين، واتباع الحق من المؤمنين، فالكافر اتبع الباطل، والمؤمن اتبع الحق.
٦- إن مثل هذا البيان الذي بيّن، يبين اللَّه للناس أمر الحسنات وأمر السيئات وأحوال الفريقين. فقوله كَذلِكَ أي مثل هذا البيان وضرب المثل، على معنى أنه يضرب أمثالهم لأجل الناس ليعتبروا بهم. وضرب المثل في الآية: هو أن اللَّه جعل اتباع الباطل مثلا لعمل الكفار، واتباع الحق مثلا لعمل المؤمنين.
أحكام القتال والأسرى والقتلى في سبيل اللَّه ونصرة الإسلام
[سورة محمد (٤٧) : الآيات ٤ الى ٩]
فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها ذلِكَ وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ (٤) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ (٥) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ (٦) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ (٧) وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ (٨)
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ (٩)
الإعراب:
فَضَرْبَ الرِّقابِ منصوب على أنه مصدر، تقديره: فاضربوا ضرب الرقاب، فحذف الفعل.
فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً مَنًّا... وفِداءً: منصوبان على المصدر.
حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها، ذلِكَ ذلِكَ: في موضع رفع خبر مبتدأ محذوف، تقديره الأمر ذلك.
فَتَعْساً لَهُمْ منصوب على المصدر، تقديره: تعسهم تعسا أو تعسوا تعسا، ويقال أيضا:
أتعسهم إتعاسا. والجملة خبر المبتدأ: وَالَّذِينَ كَفَرُوا. وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ عطف على تعسوا تعسا.
البلاغة:
فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً بينهما طباق.
تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها استعارة تبعية، شبه ترك القتال بوضع آلته، واشتق من الوضع تَضَعَ بمعنى تنتهي وتترك.
وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ مجاز مرسل، أطلق الجزء وهو الأقدام وأراد الكل، أي يثبتكم، وعبر بها لأنها أداة الثبات، وهو مثل فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ [الشورى ٤٢/ ٣٠].
أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ.. سجع غير متكلف.
المفردات اللغوية:
لَقِيتُمُ من اللقاء وهو الحرب فَضَرْبَ الرِّقابِ أي فاضربوا الرقاب ضربا، أي اقتلوهم، وعبر بضرب الرقاب مجازا عن القتل، لأن الغالب في القتل أن يكون بضرب الرقبة، ولتصوير القتل بأشنع صورة للإرهاب أَثْخَنْتُمُوهُمْ أكثرتم فيهم القتل فَشُدُّوا الْوَثاقَ أي فأسروهم، والوثاق كالرباط: ما يوثق به الأسير من الحبل أو القيد وغيره، وشدة: إحكام ربطه حتى لا يفلت ويهرب.
فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً أي فإما تمنون عليهم منا، أو يفدون فداء، والمن: إطلاق سراح الأسير من غير مقابل أو فدية، والفداء أو المفاداة: إطلاق الأسير في مقابلة مال أو غيره كمبادلة الأسرى حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها مجاز عن انتهاء الحرب، أي حتى تنقضي الحرب أو تنتهي، ولم يبق إلا مسلم أو مسالم، والأوزار: الأثقال من السلاح والكراع (الخيول) وغيرها من أدوات القتال الثقيلة والمعدات الحربية ذلِكَ أي الأمر ذلك، أو افعلوا بهم ذلك مما ذكر وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ أي لانتقم منهم بغير قتال كالخسف والغرق والرجفة وَلكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ أي ولكن أمركم بالقتال ليختبر المؤمنين بالكافرين، بأن يجاهدوهم، فيستوجبوا الثواب
العظيم، والكافرين بالمؤمنين، بأن يعجل عذابهم ليرتدع بعضهم عن الكفر.
وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي استشهدوا، وقرئ: قاتلوا، أي جاهدوا فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ فلن يحبطها ويضيعها سَيَهْدِيهِمْ سيهدي من بقي حيا إلى الثواب أو سيثبت هدايتهم، أو سيهديهم في الدنيا والآخرة إلى ما ينفعهم وَيُصْلِحُ بالَهُمْ حالهم وشأنهم في الدنيا والآخرة.
ويلاحظ أن الهداية وإصلاح البال لمن لم يقتل، وأدرجوا في قوله: قُتِلُوا بطريق التغليب عَرَّفَها لَهُمْ بيّنها لهم وأعلمها بحيث يعلم كل أحد منزله ويهتدي إليه كأنه كان ساكنه منذ خلق.
إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ تنصروا دين اللَّه ورسوله يَنْصُرْكُمْ على عدوكم وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ يثبتكم في أثناء القتال والمجاهدة مع الكفار فَتَعْساً لَهُمْ هلاكا لهم وخيبة من اللَّه ذلِكَ أي التعس وإضلال الأعمال بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ أي بسبب كراهيتهم ما أنزل اللَّه من القرآن المشتمل على التكاليف فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ أبطلها.
سبب النزول: نزول الآية (٤) :
وَالَّذِينَ قُتِلُوا:
أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ قال: ذكر لنا أن هذه الآية نزلت يوم أحد، ورسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم في الشّعب، وقد نشبت فيهم الجراحات والقتل، وقد نادى المشركون يومئذ: اعل هبل (أكبر أصنامهم) ونادى المسلمون: اللَّه أعلى وأجل، فقال المشركون: إن لنا العزّى ولا عزّى لكم، فقال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم: قولوا: اللَّه مولانا، ولا مولى لكم.
المناسبة:
بعد قسمة الناس إلى فريقين: فريق الكافرين الذين يتبعون الباطل وهم حزب الشيطان، وفريق المؤمنين الذين يتبعون الحق وهم حزب الرحمن، ذكر اللَّه تعالى حكم القتال عند التحزب، وأرشد المؤمنين إلى قواعد الحرب مع المشركين أثناء المعركة وبعد انتهائها.
التفسير والبيان:
فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ أي فإذا واجهتم الكفار في القتال، فاحصدوهم حصدا بالسيوف، واضربوا الرقاب ضربا. وهذا أمر بجهاد الكفار، وهم من لم يكن لهم عهد مع المسلمين، من المشركين وأهل الكتاب، عند وجود مسوغات القتال وتوافر العدوان، وهو قتال لا شفقة فيه ولا هوادة، وإنما يجب إعمال السلاح فيهم، حسبما تقتضي طبيعة الحرب، كما قال تعالى:
وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ، وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ، فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ [البقرة ٢/ ١٩٣].
هذا هو الحكم الأول في أثناء المعركة، أما بعد انتهاء المعركة فقال اللَّه تعالى:
حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ، فَشُدُّوا الْوَثاقَ، فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها أي حتى إذا أكثرتم فيهم القتل، وغلبتموهم، وأصبحوا بلا قوة كالرجل المثخن بالجراح، فضعفوا واستكانوا وصاروا أسرى في أيديكم، وانتهت الحرب بإثخانهم وقهرهم، فأسروهم وأحكموا القيد عليهم لئلا يفلتوا ويهربوا.
وبعد الأسر أنتم مخيرون بين أمرين: إما المنّ عليهم بإطلاق سراحهم بلا مقابل أو بغير عوض، وإما الفداء بمبادلتهم بالأسرى المسلمين أو بدفع الفداء وهو المال الذي يفدي به الأسير نفسه من الأسر.
وذلك حتى لا يكون حرب مع الكفار ولا قتال، بأن يضع الأعداء المحاربون أوزارهم، وهو سلاحهم بالهزيمة أو الموادعة، أي إن غاية هذه الأوامر إنهاء الحرب والقتال. وهذا في الحقيقة حث على السلم المستتب، ليعيش الناس في سلام وأمان، ويتم تبادل الأفكار، وتنتشر دعوة الإسلام بالحكمة والإقناع، والحجة والبرهان، والموعظة الحسنة، فليس انتشار الإسلام بالسيف كما يتصور بعض
الأعداء، وإنما كان انتشاره بالقناعة الذاتية، وبالاستحسان الحر الطليق دون إجبار ولا إكراه: لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ [البقرة ٢/ ٢٥٦].
وصريح الآية يوجب القتل فقط قبل الإثخان، والتخيير بعد الأسر بين المن والفداء. وجاءت السنة مبينة جواز القتل بعد الأسر للمصلحة، كما جاء فيها إباحة الاسترقاق جريا على العادة السائدة في الماضي ومعاملة بالمثل. والظاهر أن الآية نزلت بعد وقعة بدر، فإن اللَّه تعالى عاتب المؤمنين على الاستكثار من الأسارى يومئذ، ليأخذوا منهم الفداء.
ثم بيّن اللَّه تعالى الحكمة في شرع القتال، فقال:
ذلِكَ، وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ، وَلكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ أي ذلك هو الحكم في قتال الكفار، واللَّه قادر على الانتصار من أعدائه بالانتقام منهم، وإهلاكهم وتعذيبهم بما شاء من أنواع العذاب كالخسف والرجفة والغرق، دون قتال منكم أيها المؤمنون، ولكن اللَّه أمركم بحربهم ليختبر بعضكم ببعض، فيعلم المجاهدين في سبيله، والصابرين على ابتلائه، ويجزل ثوابهم، ويعذب الكفار بأيديهم، أو يحملهم الخوف على الإيمان بالله تعالى قبل نزول العذاب بهم، ومشاهدة قتل أمثالهم، فالحكمة من القتال: هي امتحان الناس واختبار صبرهم على المكاره: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ، وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ، وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ [آل عمران ٣/ ١٤٢].
ثم ذكر اللَّه تعالى ثواب الشهداء المجاهدين في سبيله قائلا:
١- وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ أي إن المقتولين في سبيل اللَّه لا يضيع اللَّه سبحانه أجرهم، ولن يجعل أعمالهم ضائعة كما تضيع أعمال الكفار.
أخرج الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه عن المقدام بن معد يكرب الكندي رضي اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم: «إن للشهيد عند اللَّه ست خصال:
أن يغفر له في أول دفقة من دمه، ويرى مقعده من الجنة، ويحلّى حلّة الإيمان، ويزوّج من الحور العين، ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار مرصّع بالدر والياقوت، الياقوتة خير من الدنيا وما فيها، ويزوّج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين، ويشفّع في سبعين إنسانا من أقاربه».
وفي صحيح مسلم عن عبد اللَّه بن عمرو رضي اللَّه عنهما، وعن أبي قتادة رضي اللَّه عنه أن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم قال: «يغفر للشهيد كل شيء إلّا الدّين».
٢- سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ، وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ أي سيوفقهم اللَّه تعالى للعمل بما يحبه ويرضاه، ويرشدهم إلى طريق الجنة، ويصلح حالهم وأمرهم وشأنهم في الآخرة، أي تحفظ أعمالهم وتخلد لهم، ويدخلهم روضات الجنات يحبرون فيها، وقد عرّفهم بها، وأعلمهم وبيّنها لهم من غير استدلال، حتى إن أهلها يهتدون إلى بيوتهم ومساكنهم من غير مرشد ولا دليل.
جاء في الحديث الصحيح عند البخاري: «والذي نفسي بيده إن أحدهم بمنزله في الجنة أهدى منه بمنزله الذي كان في الدنيا».
وقال مجاهد: يهتدي أهلها إلى بيوتهم ومساكنهم، وحيث قسم اللَّه لهم منها، لا يخطئون، كأنهم ساكنوها منذ خلقوا، لا يستدلون عليها أحدا.
والتكرار بين سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ لأن الأول سبب النعيم، والثاني نفس النعيم.
والناس في الجنة درجات بحسب أعمالهم، كما قال تعالى: وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا [الأنعام ٦/ ١٣٢].
ثم بشرهم اللَّه بالنصر بشرط نصرة دينه وحثهم على تحقيق الشرط، فقال:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ، وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ أي يا أهل الإيمان بالله والقرآن والإسلام إن تنصروا دين اللَّه ينصركم على أعدائكم، ويثبّت أقدامكم عند القتال في مواطن الحرب، حتى تتحقق الغلبة والعزة والتفوق لكم، وتكون كلمة اللَّه هي العليا.
وتأكيدا لذلك وتقوية لقلوبهم ذكر اللَّه تعالى جزاء الكافرين بعد بيان جزاء المجاهدين، فقال:
وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ أي وللكافرين بالله وبرسالة محمد صلّى اللَّه عليه وسلّم الخيبة والخزي والشقاء، وقد أبطل اللَّه أعمالهم وأحبطها، فلا ثواب لهم ولا خير يرتجى منها في الآخرة. وقوله: فَتَعْساً لَهُمْ مقابل تثبيت الأقدام للمؤمنين الناصرين لله تعالى ولرسوله صلّى اللَّه عليه وسلّم.
ثم ذكر اللَّه تعالى سبب الخيبة وإبطال الأعمال، وسبب بقائهم على الكفر والضلال قائلا:
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ، فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ أي ذلك التعس.
وإضلال الأعمال بسبب كراهيتهم ما أنزل اللَّه في قرآنه على نبيّه المصطفى صلّى اللَّه عليه وسلّم من التكاليف، فهم لا يريدونه ولا يحبونه، فأبطل اللَّه ثواب أعمالهم بذلك السبب.
والمراد بالأعمال: أعمال الخير حال الكفر، لأن عمل الكافر لا يقبل قبل إسلامه.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على الأحكام التالية:
١- إباحة القتل الشديد في أثناء القتال، لأن ذلك من طبيعة الحرب، تحقيقا للنصر والغلبة، ودحرا للعدو وإنزال الهزيمة الساحقة بجيشه. وقد
خصص بعض المفسرين جواز ضرب الرقاب والإثخان (الإكثار من القتل في الحرب) بالمشركين أهل الأوثان، أو بمن لا عهد لهم ولا ذمة. والصحيح أن الآية عامة، والتخصيص لا دليل عليه، لعموم الآية: فَضَرْبَ الرِّقابِ.
وهذه الآية متفقة مع آية الأنفال: ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ [٦٧] غير أن آية الأنفال لم يذكر فيها ما يكون بعد الإثخان، والآية التي هنا فيها بيان تقرير مصير الأسرى وتخيير الإمام فيهم بين أحد أمرين: المنّ أو الفداء.
أما قتل الأسير لضرورة أو مصلحة حربية معينة في حالات خاصة وكذا استرقاقه، فمأخوذ من السّنة النّبوية، فيصير الإمام مخيّرا في الأسرى بين أربعة أمور: القتل، والاسترقاق، والمنّ، والفداء.
روى البخاري عن أبي هريرة رضي اللَّه عنه قال: «بعث النّبي صلّى اللَّه عليه وسلّم خيلا قبل نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة، يقال له ثمامة بن أثال، فربطوه في سارية من سواري المسجد، فخرج إليه رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم، فقال: ما عندك يا ثمامة؟ فقال: عندي خير، إن تقتلني تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل ما شئت، حتى كان الغد، فقال له صلّى اللَّه عليه وسلّم:
ما عندك يا ثمامة؟ قال: عندي ما قلت لك، قال: أطلقوا ثمامة.
فانطلق إلى نخل قريب من المسجد، فاغتسل، ثم دخل المسجد، فقال:
أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدا رسول اللَّه، واللَّه ما كان على وجه الأرض وجه أبغض إليّ من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه إليّ، واللَّه ما كان من دين أبغض إليّ من دينك، فأصبح دينك أحبّ الدين إليّ، واللَّه ما كان من بلد أبغض إليّ من بلدك، فقد أصبح بلدك أحبّ البلاد إليّ، وإن خيلك أخذتني، وأنا أريد العمرة، فماذا ترى؟ فبشّره رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم وأمره أن يعتمر، فلما قدم
مكة قال له قائل: صبوت؟ قال: لا، ولكن أسلمت مع محمد صلّى اللَّه عليه وسلّم».
وهذا دليل من السّنة على جواز المنّ على الأسير.
وهناك دليل آخر من السّنة على جواز الفداء، قال عمران بن حصين: أسر أصحاب رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم رجلا من عقيل فأوثقوه، وكانت ثقيف قد أسرت رجلين، من أصحاب النّبي صلّى اللَّه عليه وسلّم، ففداه رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم بالرجلين اللذين أسرتهما ثقيف.
وأما دليل جواز قتل الأسير: فقال أبو بكر الجصاص: اتفق فقهاء الأمصار على جواز قتل الأسير، لا نعلم بينهم خلافا فيه، وقد تواترت الأخبار عن النّبي صلّى اللَّه عليه وسلّم في قتله الأسير، منها قتله عقبة بن أبي معيط، والنّضر بن الحارث بعد الأسر يوم بدر، وقتل- أي النّبي- يوم أحد أبا عزّة الشاعر بعد ما أسر، وقتل بني قريظة بعد نزولهم على حكم سعد بن معاذ، فحكم فيهم بالقتل، وسبي الذّرّيّة، ومنّ على الزبير بن باطا من بينهم.
وفتح خيبر بعضها صلحا وبعضها عنوة، وشرط على ابن أبي الحقيق ألا يكتم شيئا، فلما ظهر على خيانته وكتمانه قتله. وفتح مكة وأمر بقتل هلال بن خطل، ومقيس بن صبابة، وعبد اللَّه بن سعد بن أبي سرح وآخرين، وقال: اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة. ومنّ على أهل مكة ولم يغنم أموالهم «١».
وأما دليل جواز استرقاق الأسرى الذي كان معاملة بالمثل مع صنيع الأمم الأخرى بعد الحرب: فهو أن الرسول صلّى اللَّه عليه وسلّم استرق بعض العرب كهوازن وبنى المصطلق وقبائل من العرب «٢»، وسبى أبو بكر وعمر رضي اللَّه عنهما
(٢) نيل الأوطار: ٨/ ٢ وما بعدها. [.....]
بني ناجية من قريش، وفتحت الصحابة بلاد فارس والروم، فسبوا من استدلوا عليه.
وأما الاستدلال بالآية: حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ على جواز قتل الأسير فغير سديد، لأن الآية واضحة في القتل قبل الأسر، وأما بعد الإثخان وهو الإضعاف، فإن المحارب يقع في الأسر، وحكم ذلك مختلف عما قبل الأسر.
وقد فهم بعضهم من الآية جواز الاسترقاق، وذلك من الأمر بشدّ الوثاق، ويبقى بعده حالان، هما: المنّ والفداء.
قال ابن عباس في قوله تعالى: ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ: ذلك يوم بدر، والمسلمون يومئذ قليل، فلما كثروا واشتد سلطانهم، أنزل اللَّه تعالى بعد هذا في الأسارى: فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ، وَإِمَّا فِداءً فجعل اللَّه النّبي والمؤمنين في الأسارى بالخيار: إن شاؤوا قتلوهم، وإن شاؤوا استعبدوهم، وإن شاؤوا فادوهم «١». أي يفعل الإمام ما يراه مصلحة حربية.
٢- هل الآية: فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً محكمة أو منسوخة؟ قال أبو حنيفة عملا بقول السّدّي: هي منسوخة بقوله تعالى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [التوبة ٩/ ٦] فلا يفادى الأسير بالمال، ولا يباع السبي لأهل الحرب، فيرجعون حربا علينا، ولا يفادون بأسرى المسلمين، ولا يمنّ على الأسرى، حتى لا يعودوا حربا على المسلمين. وقال أبو يوسف ومحمد: لا بأس أن يفادى أسرى المؤمنين بأسرى المشركين، وهو قول الثوري والأوزاعي.
وأجاز الجمهور المنّ والفداء بأسرى المسلمين وبالمال للآية: فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً فقد أجازت الآية الفداء مطلقا من غير تقييد، وفادى النّبي صلّى اللَّه عليه وسلّم أسرى بدر بالمال،
وروى ابن المبارك عن عمران بن حصين قال: أسرت ثقيف
رجلين من أصحاب النّبي صلّى اللَّه عليه وسلّم وأسر أصحاب النّبي رجلا من بني عامر بن صعصعة، فمرّ به على النّبي صلّى اللَّه عليه وسلّم، فقال الأسير: علام أحبس؟ فقال: بجريرة حلفائك، فقال: إني مسلم، فقال النّبي صلّى اللَّه عليه وسلّم: «لو قلتها وأنت تملك أمرك لأفلحت كل الفلاح» ثم مضى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم فناداه أيضا، فأقبل فقال: إني جائع فأطعمني، فقال النّبي: نعم هذه حاجتك، ثم فداه بالرجلين اللذين كانت ثقيف أسرتهما.
وروي أن النّبي صلّى اللَّه عليه وسلّم فدى رجلين من المسلمين برجل من المشركين.
قال ابن العربي والقرطبي: والتحقيق الصحيح أن الآية محكمة في الأمر بالقتال «١». وهذا مذهب جمهور العلماء منهم ابن عمر والحسن وعطاء، وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد والثوري والأوزاعي وأبي عبيد وغيرهم. ولا يلجأ إلى القول بالنسخ إلا عند تعذر التوفيق والجمع بين الأدلة المتعارضة، وهنا يمكن التوفيق بحمل آيات القتال على حالة الحرب ونقض العهد ومقتضيات المعركة، فلا بدّ حينئذ من القتل لإعلاء كلمة اللَّه تعالى وإظهار عزّة الإسلام وإعلاء هيبة المسلمين، فإن تحقق المطلوب تخيّر المسلمون بعد انتهاء الحرب واستقرار السلم بين المنّ والفداء. أما القتل بعد الأسر فهو ضرورة ولا تكون إلا لمصلحة حربية واضحة يراها الإمام.
قال سعيد بن جبير: لا يكون فداء ولا أسر إلا بعد الإثخان والقتل بالسيف، لقوله تعالى: ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ [الأنفال ٨/ ٦٧]. فإذا أسر بعد ذلك فللإمام أن يحكم بما يراه من قتل أو غيره «٢». وهذا مذهب الجمهور: المالكية والشافعية والحنابلة.
(٢) تفسير القرطبي: ١٦/ ٢٢٨
والخلاصة: لم يأخذ الفقهاء بمقتضى الحصر المفهوم من الآية: فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً وقالوا إن حال المقاتلين بعد الأسر غير منحصر في الأمرين، بل يجوز القتل والاسترقاق والمنّ والفداء، لأن المذكور في الآية إرشاد، لأن الظاهر في المثخن الازمان أي الإنهاء أو الإضعاف، والقتل مذكور في قوله: فَضَرْبَ الرِّقابِ.
٣- الجهاد طريق للامتحان والاختبار، ليعرف الصادق الصابر، والمضحي المجاهد في سبيل اللَّه، وإن كان اللَّه منزّها عن الاستعانة بأحد، وقادرا على البطش بالأعداء وإهلاكهم بوسائل مختلفة غير القتال، أو تسليط الملائكة أو أضعف خلقه، فالله يمتحن المؤمنين بالكافرين، هل يجاهدون في سبيله حقّ الجهاد أم لا؟ ويبتلي الكافرين بالمؤمنين، هل يذعنون للحقّ أم لا؟ إلزاما للحجة. ومعنى الابتلاء من اللَّه سبحانه كما تقدم مرارا أنه مجاز، أي يعاملهم معاملة المختبر أو ليظهر الأمر لغيره من الملائكة أو الثقلين.
٤- القتلى في سبيل اللَّه أو الشهداء لا تضيع أعمالهم، ويهديهم ربّهم إلى إدراك السعادة في الدنيا والآخرة وإلى الثواب ويثبتهم على الهداية، ويرشدهم إلى طريق الجنة من غير بحث ولا حيرة ولا توقف بعد خروجهم من قبورهم، ويصلح حالهم وشأنهم ومعاشهم في مستقبل الأمر في العقبى والمعاد أو في الدنيا، ويدخلهم الجنة التي بيّنها لهم حتى عرفوها من غير استدلال، وطيّبها لهم بأنواع الملاذّ.
٥- النصر مشروط بنصرة دين اللَّه تعالى وتطبيق شرعه والتزام أوامره واجتناب نواهيه، لذا كرر اللَّه تعالى هذا المعنى في آيات كثيرة قائلا: إن تنصروا دين اللَّه ينصركم على الكفار، ويثبّت قلوبكم بالأمن والنصر والمعونة في موطن الحرب.
التفسير المنير
وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي