وَأنت تعني: أوزار أهلها، وَتكون لأهل الشرك خاصةً، كقولك: حَتَّى تنفي الحرب أوزار المشركين.
وقوله: ذلِكَ وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ (٤) بملائكة غيركم، وَيُقَال: بغير قتال، ولكن ليبلو بعضكم ببعض، المؤمن بالكافر، والكافر بالمؤمن.
وقوله: والذين قَاتَلُوا فِي سبيل اللهِ (٤) قرأها الْأَعْمَش وعاصم وزيد بن ثابت «١» [حدثنا محمد] «٢» حدثنا الفراء قال: حَدَّثَنِي بِذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ الْخُرَاسَانِيُّ عَنْ [عَطَاءٍ عَنْ أَبِي] «٣» عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ: قَاتَلُوا «٤»، وَقَرَأَهَا الْحَسَنُ: قُتِّلُوا «٥» مُشَدَّدَةً، وَقَدْ خَفَّفَهَا بَعْضُهُمْ فَقَالَ: قُتِلُوا مُخَفَّفٌ، وَكُلُّ ذَلِكَ «٦» صَوَابٌ.
وقوله: وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ (٦) يعرفون منازلهم إِذَا دخلوها، حَتَّى يكون أحدهم أعرف بمنزلة فِي الجنة مِنْهُ بمنزله إِذَا رجع من الجمعة.
وقوله: فَتَعْساً لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ (٨) كأنه قَالَ: فأتعسهم اللَّه وأضل أعمالهم لأنّ الدعاء قَدْ يجري مجرى الأمر والنهي، ألا ترى أنّ أضل فعل، وأنها مردودة عَلَى التعس، وهو اسم لأن فيه معنى أتعسهم، وكذلك قوله: «حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا» مردودة [١٧٧/ ب] على أمر مضمر ناصب لضرب «٧» الرقاب.
قتلوا مبنيا للمفعول، والتاء خفيفة، وزيد بن ثابت والحسن وأبو رجاء وعيسى والجحدري أيضا كذلك (البحر المحيط ٨/ ٧٥).
وعن الحسن بفتح القاف وتشديد التاء بلا ألف (قتّلوا) الاتحاف ٣٩٣.
(٢) الزيادة من ب.
(٣) كذا فى ب وفى (ح) عن عطاء عن عبد الرحمن، وفى (ش) عن عطاء بن أبى عبد الرحمن.
(٤) لم يثبت فى ش: (قاتلوا).
(٥) فى ح، ش: والذين قتّلوا.
(٦) لم يثبت فى ح، ش: ذلك.
(٧) فى ش بضرب، تحريف. [.....]
وقوله: كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ (٩) كرهوا القرآن وسخطوه.
وقوله: دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكافِرِينَ أَمْثالُها (١٠) يَقُولُ: لأهل مكَّة أمثال ما أصاب قوم لوط وعاد وثمود «١» وعيدٌ من الله.
وقوله: ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا (١١) يريد: وَلِيّ الَّذِينَ آمنوا، وكذلك هِيَ فِي قراءة عَبْد اللَّه «ذَلِكَ بأن اللَّه ولِيّ الَّذِينَ آمنوا» وهي مثل التي «٢» فِي المائدة فى قراءتنا: «إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ» «٣»، ومعناهما واحد، والله أعلم.
وقوله: وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ (١٢).
ترفع النار بالمثوى، ولو نصبت المثوى، ورفعت النار باللام التي فِي (لهم) كَانَ وجها.
وقوله: مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ (١٣).
يريد: التي أخرجك أهلها إلى المدينة، ولو كَانَ من قريتك التي أخرجوك كَانَ وجها، كما قال:
«فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ «٤» »، فَقَالَ: (قائلون)، وفي أول الكلمة: (فجاءها).
وقوله: فَلا ناصِرَ لَهُمْ (١٣).
جاء فِي التفسير: فلم يكن لهم ناصر حين أهلكناهم، فهذا وجه، وَقَدْ يجوز إضمار كَانَ، وإن كنت قَدْ نصبت الناصر بالتبرية، ويكون: أهلكناهم فلا ناصر لهم الآن من عذاب اللَّه.
وقوله: أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ (١٤) ولم يقل: واتبع هواه، وذلك أنّ من تكون فِي معنى واحد وجميع، فرُدّت أهواؤهم عَلَى المعنى، ومثله: «وَمِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ» «٥»، وفي موضع آخر: «وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ» «٦»، وَفِي موضع آخر: «وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ» «٧».
(٢) فى (ا) وهى التي
(٣) لم يثبت في ح، ش: (ورسوله)، والآية فى سورة المائدة: ٥٥، وكرر فى قراءة عبد الله السابقة، ولم تثبت فى ب، ح، ش.
(٤) سورة الأعراف: ٤.
(٥) سورة الأنبياء الآية ٨٢.
(٦) سورة الأنعام الآية ٢٥.
(٧) سورة يونس الآية ٤٢.
وقوله: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ (١٥).
[حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ:] «١» حدثنا الفراء قال: أخبرني حِبَّانُ بْنُ عَلِيٍّ عَنِ الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاس قَالَ:
مثل «٢» الجنة، أمثال الجنة، صفات الجنة. قَالَ ابْنُ عباس: وكذلك قرأها عليّ بْن أَبِي طَالِب: أمثال.
وقوله: مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ (١٥).
غير متغير، غير آجن.
وقوله: وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ (١٥) لم يخرج من ضروع الإبل ولا الغنم برغوته.
وقوله «٣» : وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (١٥).
اللذة مخفوضة، وهي الخمر بعينها، وإن شئت جعلتها تابعة للَأنهار، وأنهارٌ لذةٌ، وإن شئت نصبتها عَلَى يتلذذ بها لذة، كما تَقُولُ: هَذَا لَكَ هبةً وشبهه، ثُمَّ قَالَ: «كَمَنْ هُوَ خالِدٌ» لم يقل:
أمن كَانَ فِي هَذَا كَمَن هُوَ خَالِد فِي النار؟ ولكنه فِيهِ ذلك المعنى فَبُني عَلَيْهِ.
وقوله: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ (١٦).
يعنى خطبتك فى الجمعة [١٧٨/ ا] فلا يستمعون ولا يعون [حَتَّى] «٤» إِذَا انصرفوا، وخرج النَّاس قَالُوا للمسلمين: مَاذَا قَالَ آنِفًا، يعنون النبي صلّى الله عليه استهزاءً منهم.
قَالَ اللَّه عزَّ وجلَّ: «أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ» «٥».
(٢) جاء فى اللسان مادة مثل: قال ابن سيده: وقوله عز من قائل «مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ» قال الليث:
مثلها هو الخبر عنها وقال أبو اسحق: معناه صفة الجنة، وردّ ذلك أبو على قال: لأن المثل الصفة غير معروف في كلام العرب، إنما معناه التمثيل... وقال المبرد فى المقتضب فى قوله: «مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ» التقدير: فيما يتلى عليكم مثل الجنة ثم فيها وفيها: قال: ومن قال إن معناه صفة الجنة فقد أخطأ لأن (مثل) لا يوضع فى موضع صفة.
وانظر المقتضب ٣/ ٢٢٥.
(٣) سقط فى ب.
(٤) زيادة من ب، وش تستقيم بها العبارة.
(٥) سورة النحل ١٠٨ ومحمد ١٦.
وقوله وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً (١٧).
زادهم «١» استهزاؤهم هدى، وآتاهم اللَّه تقواهم، يُقال: أثابهم ثواب تقواهم، وَيُقَال: ألهمهم تقواهم، وَيُقَال: آتاهم تقواهم من المنسوخ إِذَا نزل الناسخ.
وقوله: فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها (١٨).
(أن) مفتوحة فى القراءة كلها. حدثنا الفراء قال: وحدثني أَبُو جَعْفَر الرؤاسي قَالَ: قلت لأبي عَمْرو بْن العلاء: ما هَذِهِ الفاء التي فى قوله: «فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها» ؟ قَالَ: جواب للجزاء.
قَالَ: قلت: أَنْها (أَنْ تأتيهم) مفتوحة؟ قَالَ: فَقَالَ: مُعَاذِ اللَّه إنَّما هِيَ (إِنْ تَأْتِهِمْ). قَالَ الفراء:
فظننت أَنَّهُ أخذها عنْ أهل مكَّة لأنَّه عليهم قَرَأَ، وهي أيضًا فِي بعض مصاحف الكوفيين: تأتهم بسينة واحدة «٢»، ولم يقرأ بها «٣» أحد منهم، وهو من المكرّر: هَلْ ينظرون إلا الساعة، هَلْ ينظرون إلا أن تأتيهم بغتة. والدليل عَلَى ذَلِكَ أن التي فِي الزخرف فِي قراءة عَبْد اللَّه: «هَلْ يَنْظُرونَ إِلّا أنْ تَأْتيهم الساعةُ» «٤» ومثله: «وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ» «٥» لولا أن تطَئوهم فإن فِي موضع رفع عند الفتح، وأن فى الزخرف- وهاهنا نصب «٦» مردودة عَلَى الساعة، والجزم جائز تجعل: هل ينظرون إلا الساعة مكتفيًا، ثُمَّ تبتدئ: إن تأتهم، وتجيئها بالفاء عَلَى الجزاء، «٧» والجزم جائز «٨».
وقوله: فَأَنَّى لَهُمْ إِذا جاءَتْهُمْ ذِكْراهُمْ (١٨).
«ذكراهم» فِي موضع رفع بلهم، والمعنى: فإني «٩» لهم ذكراهم إذا جاءتهم الساعة؟ ومثله:
«يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى» «١٠» أي: ليس ينفعه ذكره، ولا ندامته.
(٢) كذا فى جميع النسخ وقد تكون بسنة. [.....]
(٣) فى (ح) ولم يقرأها.
(٤) الزخرف الآية ٦٦.
(٥) سورة الفتح الآية ٢٥.
(٦) فى ب كتب فوق قوله هاهنا نصب: مردودة يعنى فى سورة محمد صلّى الله عليه.
(٧، ٨) ساقط فى ح، ش.
(٩) فى ش: فأين.
(١٠) سورة الفجر الآية ٢٣.
معاني القرآن للفراء
أبو زكريا يحيى بن زياد بن عبد الله بن منظور الديلمي الفراء
أحمد يوسف نجاتي