ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤ

وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٢٤)

صفحة رقم 340

قَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ: وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا : هِيَ جَمِيعُ الْمَغَانِمِ إِلَى الْيَوْمِ، فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ يَعْنِي: فَتْحَ خَيْبَرَ.
وَرَوَى الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ يَعْنِي: صُلْحَ الْحُدَيْبِيَةِ.
وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ أَيْ: لَمْ يَنَلْكُمْ سُوءٌ مِمَّا كَانَ أَعْدَاؤُكُمْ أَضْمَرُوهُ لَكُمْ مِنَ الْمُحَارَبَةِ وَالْقِتَالِ. وَكَذَلِكَ كَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ [عَنْكُمْ] (١) الَّذِينَ خَلَّفْتُمُوهُمْ وَرَاءَ أَظْهُرِكُمْ عَنْ عِيَالِكُمْ وَحَرِيمِكُمْ، وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ أَيْ: يَعْتَبِرُونَ بِذَلِكَ، فَإِنَّ اللَّهَ حَافِظُهُمْ وَنَاصِرُهُمْ عَلَى سَائِرِ الْأَعْدَاءِ، مَعَ قِلَّةِ عَدَدِهِمْ، وَلِيَعْلَمُوا بِصَنِيعِ اللَّهِ هَذَا بِهِمْ أَنَّهُ الْعَلِيمُ بِعَوَاقِبِ الْأُمُورِ، وَأَنَّ الْخِيَرَةَ فِيمَا يَخْتَارُهُ لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ وَإِنْ كِرِهُوهُ فِي الظَّاهِرِ، كَمَا قَالَ: وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [الْبَقَرَةِ: ٢١٦].
وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا أَيْ: بِسَبَبِ انْقِيَادِكُمْ لِأَمْرِهِ وَاتِّبَاعِكُمْ طَاعَتَهُ، وَمُوَافَقَتِكُمْ رَسُولَهُ (٢).
وَقَوْلُهُ: وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا أَيْ: وَغَنِيمَةً أُخْرَى وَفَتْحًا آخَرَ مُعَيَّنًا لَمْ تَكُونُوا تَقْدِرُونَ عَلَيْهَا، قَدْ يَسَّرها اللَّهُ عَلَيْكُمْ، وَأَحَاطَ بِهَا لَكُمْ، فَإِنَّهُ تَعَالَى يَرْزُقُ عِبَادَهُ الْمُتَّقِينَ لَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُونَ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي هَذِهِ الْغَنِيمَةِ، مَا الْمُرَادُ بِهَا؟ فَقَالَ العَوْفي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هِيَ خَيْبَرُ. وَهَذَا عَلَى قَوْلِهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ إِنَّهَا صُلْحُ الْحُدَيْبِيَةِ. وَقَالَهُ الضَّحَّاكُ، وَابْنُ إِسْحَاقَ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: هِيَ مَكَّةُ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: هِيَ فَارِسُ وَالرُّومُ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هِيَ كُلُّ فَتْحٍ وَغَنِيمَةٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سِمَاكٍ الْحَنَفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا قَالَ: هَذِهِ الْفُتُوحُ الَّتِي تُفْتَحُ إِلَى الْيَوْمِ (٣).
وَقَوْلُهُ: وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الأدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا يَقُولُ تَعَالَى مُبَشِّرًا لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ: بِأَنَّهُ لَوْ نَاجَزَهُمُ الْمُشْرِكُونَ لَنَصَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ وَعِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِمْ، وَلَانْهَزَمَ جَيْشُ الْكُفَّارِ (٤) فَارًّا مُدْبِرًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا؛ لِأَنَّهُمْ مُحَارِبُونَ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِحِزْبِهِ (٥) الْمُؤْمِنِينَ.
ثُمَّ قَالَ: سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا أَيْ: هَذِهِ سُنَّةُ اللَّهِ وَعَادَتُهُ فِي خَلْقِهِ، مَا تَقَابَلَ الْكُفْرُ وَالْإِيمَانُ فِي مَوْطِنٍ فَيَصِلُ إِلَى نَصْرِ اللَّهِ الْإِيمَانُ عَلَى الْكُفْرِ، فَرَفَعَ الْحَقَّ وَوَضَعَ الْبَاطِلَ، كَمَا فَعَلَ تَعَالَى يَوْمَ بَدْرٍ بِأَوْلِيَائِهِ الْمُؤْمِنِينَ نَصَرَهُمْ عَلَى أَعْدَائِهِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، مَعَ قِلَّةِ عدد المسلمين وعُدَدهم، وكثرة المشركين وعددهم (٦).

(١) زيادة من ت.
(٢) في ت، م: "لرسوله".
(٣) في ت: "إلى يوم القيامة".
(٤) في م: "الكفر".
(٥) في ت، أ: "ولعباده".
(٦) في ت، م: "ومددهم".

صفحة رقم 341

وَقَوْلُهُ: وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا : هَذَا امْتِنَانٌ مِنَ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ حِينَ كَفَّ أَيْدِيَ الْمُشْرِكِينَ عَنْهُمْ، فَلَمْ يَصِلْ (١) إِلَيْهِمْ مِنْهُمْ سُوءٌ، وَكَفَّ أَيْدِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَلَمْ يُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، بَلْ صَانَ كُلًّا مِنَ الْفَرِيقَيْنِ، وَأَوْجَدَ بَيْنَهُمْ صُلْحًا فِيهِ خيَرَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَعَاقِبَةٌ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ حِينَ جَاءُوا بِأُولَئِكَ السَّبْعِينَ الْأُسَارَى فَأَوْثَقُوهُمْ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَظَرَ إِلَيْهِمْ وَقَالَ: "أَرْسِلُوهُمْ يَكُنْ لَهُمْ بَدْءُ الْفُجُورِ وثنَاه". قَالَ: وَفِي ذَلِكَ أَنْزَلَ اللَّهُ: وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ الْآيَةَ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ الْحُدَيْبِيَةِ هَبَطَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ ثَمَانُونَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ فِي السِّلَاحِ، مِنْ قِبَلِ جَبَلِ التَّنْعِيمِ، يُرِيدُونَ غِرَّةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَدَعَا عَلَيْهِمْ فَأُخِذُوا -قَالَ عَفَّانُ: فَعَفَا عَنْهُمْ-وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ فِي التَّفْسِيرِ مِنْ سُنَنَيْهِمَا، مِنْ طُرُقٍ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، بِهِ (٢).
وَقَالَ أَحْمَدُ -أَيْضًا-: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ وَاقِدٍ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ البُنَاني، عَنْ (٣) عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّل المُزَنِي قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَصْلِ الشَّجَرَةِ الَّتِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ، وَكَانَ يَقَعُ مِنْ أَغْصَانِ تِلْكَ الشَّجَرَةِ عَلَى ظَهْرِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَعَلِيَّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ. وسهلُ بْنُ عَمْرٍو بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَلِيٍّ: "اكْتُبْ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ"، فَأَخَذَ سَهْلٌ بِيَدِهِ وَقَالَ: مَا نَعْرِفُ الرَّحْمَنَ الرَّحِيمَ. اكْتُبْ فِي قَضِيَّتِنَا مَا نَعْرِفُ. قَالَ: "اكْتُبْ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ"، وَكَتَبَ: "هَذَا مَا صَالَحَ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ أَهْلَ مَكَّةَ". فَأَمْسَكَ سَهْلُ بْنُ عَمْرٍو بِيَدِهِ وَقَالَ: لَقَدْ ظَلَمْنَاكَ إِنْ كُنْتَ رَسُولَهُ، اكْتُبْ فِي قَضِيَّتِنَا مَا نَعْرِفُ. فَقَالَ: "اكْتُبْ هَذَا مَا صَالَحَ عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ". فَبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ إِذْ خَرَجَ عَلَيْنَا ثَلَاثُونَ شَابًّا عَلَيْهِمُ السِّلَاحُ، فَثَارُوا فِي (٤) وُجُوهِنَا، فَدَعَا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَخَذَ اللَّهُ بِأَسْمَاعِهِمْ، فَقُمْنَا إِلَيْهِمْ فَأَخَذْنَاهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "هَلْ جِئْتُمْ فِي عَهْدِ أَحَدٍ؟ أَوْ: هَلْ (٥) جَعَلَ لَكُمْ أَحَدٌ أَمَانًا؟ " فَقَالُوا: لَا. فَخَلَّى سَبِيلَهُمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ حُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، بِهِ (٦).
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْد، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ القُمّي، حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ، عن ابن أبْزَى قال: لما

(١) في ت: "تصل".
(٢) المسند (٣/١٢٢) وصحيح مسلم برقم (١٨٠٨) وسنن أبي داود برقم (٢٦٨٨) وسنن الترمذي برقم (٣٢٦٤) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١١٥١٠).
(٣) في ت: "بن".
(٤) في ت، م: "إلى".
(٥) في ت: "وهل".
(٦) المسند (٤/٨٦) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١١٥١١).

صفحة رقم 342

خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْهَدْيِ وَانْتَهَى إِلَى ذِي الْحُلَيْفَةِ، قَالَ لَهُ عُمَرُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، تَدْخُلُ عَلَى قَوْمٍ لَكَ حَرْب بِغَيْرِ سِلَاحٍ وَلَا كُرَاع؟ قَالَ: فَبَعَثَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَلَمْ يَدَعْ فِيهَا كُرَاعًا وَلَا سِلَاحًا إِلَّا حَمَلَهُ، فَلَمَّا دَنَا مِنْ مَكَّةَ مَنَعُوهُ أَنْ يَدْخُلَ، فَسَارَ حَتَّى أَتَى مِنًى، فَنَزَلَ بِمِنًى، فَأَتَاهُ عَيْنُهُ أَنَّ عِكْرِمَةَ بْنَ أَبِي جَهْلٍ قَدْ خَرَجَ عَلَيْكَ فِي خَمْسِمِائَةٍ، فَقَالَ لِخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ: "يَا خَالِدُ، هَذَا ابْنُ عَمِّكَ أَتَاكَ فِي الْخَيْلِ (١)، فَقَالَ خَالِدٌ: أَنَا سَيْفُ اللَّهِ، وَسَيْفُ رَسُولِهِ -فَيَوْمَئِذَ سُمِّيَ سَيْفَ اللَّهِ-يَا رَسُولَ اللَّهِ، ارْمِ بِي أَيْنَ شِئْتَ. فَبَعَثَهُ عَلَى خَيْلٍ، فَلَقِيَ عِكْرِمَةَ فِي الشِّعْبِ فَهَزَمَهُ حَتَّى أَدْخَلَهُ حِيطَانَ مَكَّةَ، ثُمَّ عَادَ فِي الثَّانِيَةِ فَهَزَمَهُ حَتَّى أَدْخَلَهُ حِيطَانَ مَكَّةَ، ثُمَّ عَادَ فِي الثَّالِثَةِ فَهَزَمَهُ حَتَّى أَدْخَلَهُ حِيطَانَ مَكَّةَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ [مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ] (٢) إِلَى: عَذَابًا أَلِيمًا. قَالَ: فَكَفَّ اللَّهُ النَّبِيَّ عَنْهُمْ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَهُ (٣) عَلَيْهِمْ لِبَقَايَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا بَقُوا فِيهَا كَرَاهِيَةَ أَنْ تَطَأَهُمُ الْخَيْلُ (٤).
وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ أَبْزَى بِنَحْوِهِ. وَهَذَا السِّيَاقُ فِيهِ نَظَرٌ؛ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ؛ لِأَنَّ خَالِدًا لَمْ يَكُنْ أَسْلَمَ؛ بَلْ قَدْ كَانَ طَلِيعَةَ الْمُشْرِكِينَ (٥) يَوْمَئِذٍ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ، لِأَنَّهُمْ قَاضَوْهُ عَلَى أَنْ يَأْتِيَ مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ (٦) فَيَعْتَمِرَ وَيُقِيمَ بِمَكَّةَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَلَمَّا قَدِمَ لَمْ يُمَانِعُوهُ، وَلَا حَارَبُوهُ وَلَا قَاتَلُوهُ. فَإِنْ قِيلَ: فَيَكُونُ يَوْمَ الْفَتْحِ؟ فَالْجَوَابُ: وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ يَوْمَ الْفَتْحِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسُقْ عَامَ الْفَتْحِ هَديًا، وَإِنَّمَا جَاءَ مُحَارِبًا مُقَاتِلًا فِي جَيْشٍ عَرَمْرَم، فَهَذَا السِّيَاقُ فِيهِ خَلَلٌ، قَدْ وَقَعَ فِيهِ شَيْءٌ فَلْيُتَأَمَّلْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ، عَنْ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ قُرَيْشًا بَعَثُوا أَرْبَعِينَ رَجُلًا مِنْهُمْ أَوْ خَمْسِينَ، وَأَمَرُوهُمْ أَنْ يَطِيفُوا بِعَسْكَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيُصِيبُوا مِنْ أَصْحَابِهِ أَحَدًا، فأُخذُوا أَخْذًا، فأُتي بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَعَفَا عَنْهُمْ وَخَلَّى سَبِيلَهُمْ، وَقَدْ كَانُوا رَمَوْا إِلَى (٧) عَسْكَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (٨) بِالْحِجَارَةِ وَالنَّبْلِ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَفِي ذَلِكَ أَنْزَلَ اللَّهُ: وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ الْآيَةَ (٩).
وَقَالَ قَتَادَةُ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ: "ابْنُ زُنَيْم" اطَّلَعَ عَلَى الثَّنِيَّةِ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ، فَرَمَاهُ الْمُشْرِكُونَ بِسَهْمٍ فَقَتَلُوهُ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْلًا فَأَتَوْهُ بِاثْنَيْ عَشَرَ فَارِسًا مِنَ الْكُفَّارِ، فَقَالَ لَهُمْ: "هَلْ لَكَمْ عَلَيَّ عَهْدٌ؟ هَلْ لَكَمْ عَلَيَّ ذِمَّةٌ؟ ". قَالُوا: لَا. فَأَرْسَلَهُمْ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ: وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ الآية.

(١) في أ: "الجبل".
(٢) زيادة من ت.
(٣) في أ: "أظفركم".
(٤) تفسير الطبري (٢٦/٥٩).
(٥) في أ: "للمشركين".
(٦) في ت: "قابل".
(٧) في أ: "في".
(٨) في ت، م: "عسكر المسلمين".
(٩) رواه الطبري في تفسيره (٢٦/٥٩).

صفحة رقم 343

تفسير القرآن العظيم

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي

تحقيق

سامي سلامة

الناشر دار طيبة للنشر والتوزيع
سنة النشر 1420
الطبعة الثانية
عدد الأجزاء 8
التصنيف كتب التفسير
اللغة العربية