المعنى الجملي : بعد أن أمر سبحانه عباده بالوفاء بالعقود عامة ثم امتن عليهم بإباحة كثير من الطيبات لهم وتحريم ما يضرهم من الطعام إلا في حال الضرورة ثم ذكر حلّ طعام أهل الكتاب ونسائهم إذا كن محصنات ثم أمرهم بالطهارة مع رفع الحرج عنهم – ذكر هنا ما ينبغي أن يكون معاملتهم سواهم سواء أكانوا أعداء أم أولياء ثم ذكر وعده لعباده الذين يعلمون الصالحات ووعيده لمن كفر وكذب بالآيات وختمها بذكر المنة الشاملة والنعمة الكاملة إذ أنقذهم من أعدائهم وأظهرهم عليهم وكانوا على وشك الإيقاع بهم ولكن رحمهم وكبت أعداءهم وردهم صاغرين ليكون الشكر أتم والوفاء ألزم.
تفسير المفردات :
بسط إليه يده : بطش به وبسط إليه لسانه : شتمه والتقوى : هي اتقاء عقاب الله وسخطه بترك معاصيه.
الإيضاح :
يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمت الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم عنكم .
روي من طرق عدة أن الآية نزلت في رجل من قبيلة محارب هم بقتل النبي صلى الله عليه وسلم وأرسله قومه لذلك وكان بيده سيف وليس مع النبي صلى الله عليه وسلم سلاح كان منفردا روى الحاكم من حديث جابر قال : قام على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : من يمنعك ؟ قال " الله'' فوقع السيف من يده فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم وقال :" من يمنعك ؟ قال من خير آخذ قال '' تشهد أن لا إله إلا الله وإني رسول الله ؟ '' قال : أعاهدك إلا أقاتلك ولا أكون مع قوم يقاتلونك فخلى سبيله فجاء إلى قومه وقال جئتكم من عند خير الناس.
و في رواية أخرى : إن السيف الذي كان بيد الأعرابي كان سيف النبي صلى الله عليه وسلم علقه في شجرة وقت الراحة فأخذه الرجل وجعل يهزه ويهم بقتل النبي صلى الله عليه وسلم ثم سقط من يده فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال :'' من يمنعك مني ؟ '' قال : لا أحد ثك صاح رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه فأخبرهم وأبي أن يعاقبه.
و على هذا المراد تذكيرهم بنعمة الله عليهم بدفع الشر والمكروه عن نبيهم فإنه لو حصل ذلك لكان من المحن الكبرى التي تصيب المسلمين.
و قيل إن المراد تذكيرهم بما أنعم الله عليهم من قوة الإسلام وعظمة شوكة المسلمين فبعد أن كانوا أذلاء مغلوبين على أمرهم بدل الله الحال غير الحال وأصبحوا أعزة بعد الذلة وغالبين بعد أن كانوا مقهورين فهو سبحانه يذكر المسلمين بوقائع الاعتداء كلها سواء في ذلك حادثة المحاربي وأمثالها لأن حفظه لأولئك السلف هو حفظه لذلك الدين القويم فالنبي صلى الله عليه وسلم قد بلغ الرسالة وأدى الأمانة وأصحابه هم الذين تلقوها عنه وأدوها لمن بعدهم قولا وعملا.
ومن فوائد هذا التذكير للمتأخر ترغيبه في التأسي بالسلف في القيام بما جاء به الدين من الحق والعدل والبر.
و معنى قوله : إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم أي شارفوا أن يمدوا أيديهم إليكم بصنوف البلاء من قتل ونهب فكف الله تعالى بلطفه ورحمته أيديهم عنكم فلم يستطيعوا تنفيذ ما هموا به.
واتقوا الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون أي واتقوا الله الذي أراكم قدرته على أعدائكم وقت ضعفكم وقوتهم وتوكلوا عليه وحده فقد أراكم عنايته بمن يكلون أمورهم إليه بعد مراعاة سننه والسير عليها في اتقاء كل ما يخشى ضره وتسوء عاقبته لا على أوليائكم وحلفائكم لأن الأولياء قد تنقطع بهم الأسباب ويجيبون داعي اليأس إذا اشتد البأس والحلفاء قد يغدرون كما غدر بنو النضير وغيرهم ولكن المؤمن المتوكل على الله إذا همّ أن ييأس تذكر أن الله وليه وهو الذي بيده ملكوت كل شيء وهو الذي يجير ولا يجار عليه فتتجدد قوته ويفر منه اليأس فينصره الله ويخذل أعداءه كما حدث لأولئك الكلمة المتوكلين مع سيد المرسلين أيام ضعفهم وقتلهم وفقرهم وتألب الناس كلهم عليهم.
تفسير المراغي
المراغي