ويقول الحق من بعد ذلك :
يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمت الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم واتقوا الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون( ١١ ) :
والذكر كما عرفنا يعني استحضار الشيء إلى الذهن، لأن الغفلة تطرأ على الإنسان وعليه ألا يستمر فيها، وبعض أهل الإشراق والشطح يتلاعبون بالمواجيد النفسية فيقول واحد منهم : يعلم الله أني لست أذكره، وحين يسمع الإنسان مثل هذا القول قد يوجه لصاحبه التأنيب والنقد العنيف لكن القائل يحلل الأمر التحليل العرفاني فيكمل بيت الشعر بالشطر الثاني :
{ إذ كيف أذكره إذ لست أنساه ".
وهنا ترتاح النفس، ويقول الحق هنا أيضا :" نعمة الله " ولم يقل : " نعم "، لأن كل نعمة على انفراد تستحق أن نشكر الله عليها، فكل نعمة مفردة في عظم وضخامة تستحق الشكر عليها، أو أن نعمة الله هي كل فيضه على خلقه، فأفضل النعمة أنه ربنا، وسبحانه يقول : " اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم "، ومادام قد جاء ب " إذ " فالمراد نعمة بخصوصها لأن " إذ " تعني " حين " فالحق يوضح : اذكروا نعمة الله عليكم في ذلك الوقت الذي حدثت فيه هذه المسألة لأنه جاء بزمن ويطلب أن نذكر نعمته في هذا الموقف، إنه يذكرنا بالنعمة التي حدثت عندما هم قوم ببسط أيديهم إليكم.
وهناك " قبض " لليد و " بسط " لليد، والبسط المنظور أن ترى النعمة، وفي الآية تكون النعمة هي كف أيدي الكافرين ذلك أن أيديهم كانت ممدودة بالسوء والشر، ولو وقفنا عند بسط اليد، لظننا أنه سبحانه قد جعل من أسباب خلقه معبرا للنعم علينا أي أن نعم الله تعبر وتصل إلينا عن طريقهم وبأيديهم لكن هذا ليس مراد من النص الكريم، لأننا حين نتابع قراءة الآية نعرف أن كف أيديهم هو النعمة، فهؤلاء القوم أرادوا أن يبسطوا أيديهم بالإيذاء ويقولون عن بذاءة اللسان :" بسط لسانه " ويقولون أيضا :" بسط يده بالإيذاء ".
ونعرف أن الحق جاء ب " إليكم " أو " عنكم " وكلاهما فيه ضمير يعود على المؤمنين مع النبي صلى الله عليه وسلم، فالمؤمنون ملتحمون بمنهج النبي صلى الله عليه وسلم فإذا هم قوم أن يبسطوا أيديهم إلى رسول الله، ففي ذلك إساءة للمؤمنين برسول الله، لأن كل شيء يصيب رسول الله يصيب المؤمنين أيضا وكانت هناك واقعة حال في زمن مقطوع وسابق فهل يعني الحق سبحانه وتعالى بحادثة بني النضير وكان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبني النضير معاهدة ألا يعينوا عليه خصوم الإسلام وإذا حدث قتل من جهة المسلمين فعلى بني النضير المعاونة في الدية، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أرسل مسلما في سرية فقتل اثنين من المعاهدين خطأ، فطالبوا بدية للقتيلين ولم يكن عند النبي مال فذهب إلى بني النضير كي يساعدوه بدية القتيلين، فقالوا له : " مرحبا " نطعمك ونسقيك وبعد ذلك نعطيك ما تريد، ثم سلطوا واحدا ليرمي الرسول بحجر فصعد الرجل ليلقي على الرسول صخرة ورسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد إلى جانب جدار من بيوتهم فأخبر الحق رسوله فقام خارجا ولم ينتظر شيئا.
" إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم " لقد أخبر الحق نبيه بما يبيتون قبل أن يتمكنوا من الفعل، و " الهم " هو حديث النفس فإذا ما خرج إلى أول خطأ النزوع فذلك هو القصد و " الهم " هو الشيء الذي يغلب على فكر الإنسان في نفسه ويكون مصحوبا بغم.
وفي اللغة الدارجة نسمع من يقول : " أنا في هم وغم " لأن " الهم " هو الأمر الذي لا يبارح النفس حديثا ويسبب الغم، فالهم هو العدو الذي لا يقدر أن يقهره أحد، لأنه يتسرب إلى القلب أما أي عدو آخر فالإنسان قد يدفعه ونعرف عن سيدنا الإمام علي رضوان الله عليه وكرم الله وجهه أنه كان مشهورا بأنه المفتي فهو يستفتي في الشيء فيجيب عليه، لدرجة أن سيدنا عمر نفسه يقول : " قضية ولا أبا حسن لها " أي أنها تكون قضية معضلة إذ لم يوجد أبو حسن لها فيحلها، وكان سيدنا عمر يستعيذ من أن يوجد في مكان لا يوجد به سيدنا علي، وعندما عرف الناس عنه ذلك تساءلوا : من أين يأتي بهذا الكلام ؟ فجاءوا بلغز وانتظروا كيف يخرج منه فقالوا : إن الكون متسع وفيه أشياء أقوى من كل الأشياء، وقوى تتسلط على قوي وحاولوا الاتفاق على شيء أقوى من كل الأشياء فقال واحد : الجبل هو أقوى الأشياء وقال الآخر : لكنا نقطع منه الأحجار بالحديد وبينما هم يسلسلون هذه السلسلة جاء سيدنا علي فقالوا له :" يا أبا الحسن ما أشد جنود الله ؟.
فأجاب سيدنا علي كرم الله وجهه كأنه يقرأ من كتاب بدليل أنه عرف جنود الله وعرف الأقوى وحصر عددهم وقال سيدنا علي : أشد جنود الله عشرة، وكأنه انشغل بهذه المسألة من قبل، ودرسها.
قال : الجبال الرواسي والحديد يقطع الجبال والنار تذيب الحديد والماء يطفئ النار، والسحاب المسخر بين السماء والأرض يحمل الماء، والريح يقطع السحاب، وابن آدم يغلب الريح يستتر بالثوب أو الشيء ويمضي لحاجته والسكر يغلب ابن آدم والنوم يغلب السكر والهم يغلب النوم، فأشد جنود الله الهم ولا يمكننا أن نمر على كلمة " الهم " في القرآن إلا أن نستعرض مواقعها في كتاب الله وأهم موقع من مواقعها نتعرض له من أسئلة الكثيرين في رسائلهم وفي لقاءاتنا معهم هو مسألة يوسف عليه السلام حينما قال الحق سبحانه وتعالى بخصوص مراودة امرأة العزيز له : ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه ( من الآية٢٤سورة يوسف ).
ولنحقق هذه المسألة فالذين يستبعدون على سيدنا يوسف عليه السلام هذا الأمر، يستبعدون على صاحب العصمة أن يفكر في نفسه، وإن كان التفكير في النفس لم يبلغ العمل النزوعي فهو محتمل بل قد يكون التفكير في الشيء ثم عدول النفس عنه أقوى من عدم التفكير فيه، لأن شغل النفس بهذا الأمر ثم الكف يعني مقاومة النفس مقاومة شديدة ولكنهم يجلون ويعظمون أيضا سيدنا يوسف عن أن يكون قد مر بخاطره هذا الأمر فضلا على أن يوسف عليه السلام لم يكن قد أرسل إليه، أي أنه لم يكن رسولا آنذاك.
الآية تقول : ولقد همت به وهم بها ( من الآية٢٤سورة يوسف ).
أي أن امرأة العزيز هي التي بدأت المراودة ليوسف عليه السلام فهل تم نزوع إلى العمل ؟ لا، لأن النزوع إلى العمل يقتضي أن يشارك فيه سيدنا يوسف إذن ف " همت به " أي صارت تحب أن تصنع العملية النزوعية وجاء المانع من سيدنا يوسف وبالنسبة للمراود وهو سيدنا يوسف قال الحق : وهم بها لولا أن رأى برهان ربه ( من الآية٢٤سورة يوسف ).
ونضرب لذلك مثلا حتى نفهم هذا، إذ قال لك قائل : أزورك لولا وجود فلان عندك، هذا يعني أن القائل لم يزرك وبالقياس نجد أن يوسف عليه السلام رأى البرهان فلم يهم فمن أراد أن ينزه يوسف حتى عن حديث نفسه نقول : الأمر بالنسبة لها أنها همت به، وحتى يتحقق الفعل كان لا بد من قبول هذا الأمر وصار الامتناع لكنه ليس من جهتها بل جاء الامتناع من جهته وهو قد هم بها لولا أن رأى برهان ربه.
لماذا جاء الحق : بأنه هم بها لو أن رأى برهان ربه ؟ جاء الحق بتلك الحكاية ليدلنا على الحكمة في امتناع يوسف عن موافقته على المراودة، فلم يكن ذلك عن وجود نقص طبعي جسدي فيه، ولولا برهان ربه لكان من الممكن أن يحدث بينهما كل شيء وأراد الحق أن يخبرنا أن رجولته كاملة وفحولته غير ناقصة واستعداده الجنسي موجودا تماما، والذي منعه من الإتيان لها هو برهان ربه، إنه امتناع ديني لا امتناع طبيعي. وبذلك يكون إشكال الفهم لمسألة الهم عند امرأة العزيز ويوسف قد وضح تماما.
ونعود إلى الآية التي نحن بصددها : " إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم " وكلمة " قوم " إذا سمعتها ففيها معنى القيام. والقيام هو أنشط حالات الإنسان وكما أوضحنا من قبل نجد الإنسان إما أن يكون قائما وإما أن يكون قاعدا وإما مضطجعا وإما مستلقيا وإما نائما ونجد أن الراحات على مقدار هذه المسألة، فالقائم هو الذي يتعب أكثر من الآخرين، لأن ثقل جسمه كله على قدميه الصغيرتين وعندما يقعد فإن الثقل يتوزع على المقعدة وإذا اضطجع فرقعة الاحتمال تتسع، ولذلك يطلقونها على الرجال فقط لأن من طبيعة الرجل أن يكون قواما و من طبيعة المرأة أن تكون هادئة وديعة ساكنة مكنونة فالقوم هم الرجال، ومقابل القوم هنا " النساء " إذن فالنساء ليس من طبيعتهن القيام.
والشاعر يقول :
| وما أدري ولست إخال أدرى | أقوم آل حصن أم نساء |
والحق يقول : ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ( من الآية٢٧سورة الشورى ). هذا( في مجال العطاء )أما في مجال الأذى فالحق يقول على لسان ابن آدم لأخيه : لئن بسطت إلي يديك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك ( من الآية٢٨سورة المائدة ).
والأيدي لا تطلق إلا إذا أردنا حركة نزوعية تترجم معنى في النفس سبق أن مر على العقل من قبل، فمد الأيدي يقتضي التبييت بالفكر وهكذا نعرف أن القوم قد بسطوا أيديهم إلى رسول الله والمؤمنين.
وعندما ننظر في التاريخ المحمدي مع أعدائه نجد الحق سبحانه وتعالى يقول : وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين( ٣٠ ) ( سورة الأنفال )، أي أنهم قعدوا للتبييت، ونحن لا نعرف ذلك التبييت إلا إذا امتدت الأيدي للعمل، فقد مكروا وبيتوا للشر وأرادوا أن يثبتوا رسول الله أي أرادوا تحديد إقامته بحبسه أو تقييده أو إثخانه بالجراح حتى يوهنوه ويعجزوه فلا يستطيع النهوض والقيام أو يقتلوه أو يخرجوه من بلده، بإثباته ومنعه فلا يبرح أو يخرجوه من المكان كله أو يقتلوه فماذا كان الموقف ؟ لقد هموا أن يبسطوا إليه أيديهم وبسط اليد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤذي المؤمنين كلهم، لأنه لا يستقيم أمر المؤمنين إلا برسول الله، فلو بسط الكفار أيديهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم، لكان معنى ذلك بسط أيديهم على الكل، ويأتي التاريخ المحمدي بأمور يبسط فيها الكافرون أيديهم بالأذى إلى رسول الله وإلى المؤمنين ويكف الله أيديهم ويمكر بهم أي يجازيهم على ذلك العقاب.
والمكر كما نعلم هو الشجر الملتف بعضه على بعضه الآخر حيث لا نعرف أي ورقة تنمو من أي جذع أو فرع والمكر في المعاني هو التبييت في خفاء، وهو دليل ضعف لا دليل قوة، فالأقوياء يواجهون ولا يبيتون، ولذلك يقال : إن الذي يكيد لغيره إنما هو الضعيف، لأن الإنسان الواضح الصريح القادر على المواجهة هو القوي ونجد البعض يجعل ضعف النساء دافعا لهن على قوة المكر استنادا لقول الحق : إن كيد الشيطان كان ضعيفا ( من الآية٧٦سورة النساء ).
وإلى قول الحق : إن كيدكن عظيم ( من الآية ٢٨سورة يوسف ).
فلا يكيد إلا الضعيف ومن لا يقدر على المواجهة فهو يبيت ولو كان قادرا على المواجهة لما احتاج إلى ذلك، وقد يمكر البشر ويبيتون بخفاء عن غيرهم لكنهم لا يقدرون على التبييت بخفاء عن الله لأنه عليم بخفايا الصدور، وأمر الحق في التبييت أقوى من أمر الخلق، لذلك نجد قوله سبحانه :{ ويمكرون ويمكر الله والله خ
تفسير الشعراوي
الشعراوي