ﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦ

لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَآلُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاء اللّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ أَن تَقُولُواْ مَا جَاءنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءكُم بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( المائدة : ١٧-١٩ ).
المعنى الجملي : بعد أن أقام سبحانه الحجة على أهل الكتاب عامة بين ما كفر به النصارى خاصة.
الإيضاح : لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم المسيحيون في هذا العصر فرق ثلاث : الكاثوليك والأرثوذكس والبروتستانت ( أي إصلاح النصرانية ) وهذا المذهب الأخير حدث من نحو أربعة قرون وصار هو المذهب السائد في أعظم الأمم مدينة وارتقاء كالولايات المتحدة وانجلترا وألمانيا وقد أزال هذا المذهب كثيرا من التقاليد والخرافات النصرانية التي كانت قبله واستبدل بها تقاليد أخرى ومع كل هذا فهؤلاء المصلحون لم يستطيعوا أن يرجعوا المسيحية إلى التوحيد الصحيح الذي هو دين المسيح ودين سائر الأنبياء فلا يزالون يقولون بالتثليت ويعدون الموحد غير مسيحي كما تقول يذلك الفرقتان الكبيرتان الأخريان.
و جميع فرق النصارى في هذا العصر تقول : إن الله هو المسيح ابن مريم وإن المسيح ابن مريم هو الله ولكن النصارى القدماء لم يكونوا متفقين على هذه العقيدة إذ كان بعضهم يفسر الآب والابن وروح القدس بأنها الوجود والعلم والحياة والقول بها لا ينافي توحيد الخالق كما أنه يوجد الآن في نصارى أوربا وغيرهم موحدون يعتقدون أن المسيح نبي ورسول لا إله.
قال الدكتور بوست البروتستانتي في تاريخ الكتاب المقدس ( طبيعة الله عبارة عن ثلاثة أقانيم متساوية الجوهر : الله الآب والله الابن والله الروح القدس فإلى الآب ينتمي الخلق بواسطة الابن وإلى الابن الفدى وإلى الروح المقدس التطهير غير أن هذه الثلاثة الأقانيم تتقاسم جميع الأعمال على السواء ).
و العمدة عندهم في هذه العقيدة عبارة جاءت في إنجيل يوحنا وهي ( في البدء كانت الكلمة والكلمة كان عند الله والله هو الكلمة ) وقد فسروا الكلمة بالمسيح فيصير معنى الفقرة الثالثة من إنجيل يوحنا ( والله هو المسيح ابن مريم ) وهذا عين ما أسنده القرآن إليهم.
و لا شك أن هذه العقيدة وثنية أخذت عن قدماء المصرين والبراهمة والبوذيين وغيرهم من وثني الشرق والغرب.
قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا أي قل أيها النبي الكريم لهؤلاء النصارى : من يقدر على دفع الهلاك والموت عن المسيح وأمه بل عن سائر الخلق جميعا إن أراد أن يهلكهم ويبيدهم ؟.
وخلاصة هذا : إن المسيح وأمه من المخلوقات القابلة للفناء والهلاك كسائر أهل الأرض، فإذا أراد الله، يهلكهما ويهلك أهل الأرض جميعا لا يستطيع أحد أن يرد إرادته، لأنه هو مالك الملك الذي يصرفه بمقتضى مشيئته وإرادته وإذا كان المسيح لا يستطيع أن يدفع عن نفسه ولا عن أمه الهلاك كما لا يستطيع أن يدفعه عن غيره، فكيف يكون هو الله الذي بيده ملكوت كل شيء ؟.
ثم ذكر ما هو كالدليل على ذلك فقال :
ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما أي فمن يملك من الله شيئا إن أراد إهلاك المسيح وأمة وأهل الأرض قاطبة ؟ فهو صاحب الملك والتصرف في السماوات والأرض وما بينهما أي وما بين العالمين العلوي والسفلي بالنسبة إليكم.
ثم دفع شبهة تحوك في صدورهم من كيفية خلق عيسى فقال :
يخلق ما يشاء أي إن تلك الشبهة التي عرضت لكم وجعلتكم تزعمون أن المسيح بشر وإله- هو أنه خلق على غير السنة العام وأنه عمل أعمالا عجيبة لا تصدر من عامة البشر فالله له ملك السماوات والأرض ويخلق الخلق على مقتضى مشيئته فقد يخلق بعض الأحياء من مادة لا توصف بذكورة ولا أنوثة كأصول أنواع الحيوان ومن ذلك أبو البشر آدم عليه السلام وقد يخلق بعضها من أنثى فقط وقد يخلق بعضها من ذكر وأنثى وشكل الخلق وسببه لا يدل على امتياز لبعضها عن بعض ولا على ألوهية لبعضها ولا حلول الإله الخالق فيها فسنة الله في خلق المسيح ومزاياه لا تدل على كونه إلها وربا لأن هذه المزايا في الخلق كلها بمشيئة الخالق ولا يخرج بها المخلوق عن كونه مخلوقا.
والله على كل شيء قدير وبقدرته يخلق ما يشاء فتارة يخلق الإنسان من الذكر والأنثى وتارة بدون أب ولا أم كما في آدم وأخرى من أم ولا أب في عيسى عليه السلام.
و الخلاصة : إن كل ما تعلقت به مشيئة ينفذ بقدرته وإنما يعد بعضه غريبا بالنسبة إلى علم البشر الناقص لا بالنسبة إليه تعالى وكذلك غرابة بعض فعالهم قد تكون عن علم كسبي يجهله غيرهم أو عن تأييد رباني لا صنع لهم فيه ولا تأثير.


المعنى الجملي : بعد أن أقام سبحانه الحجة على أهل الكتاب عامة بين ما كفر به النصارى خاصة.

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير