ويقول الحق من بعد ذلك :
لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما يخلق ما يشاء والله على كل شيء قدير( ١٧ ) :
وقال سبحانه من قبل : فأغرينا بينهم العداوة ( من الآية١٤سورة المائدة ).
فمن اتبعوا اليعقوبية قالوا شيئا، والنصرانية قالت شيئا، والملكانية قالت شيئا ثالثا فجاء بالقمة : " لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم ".
ويأتي قوله سبحانه :" قل "، ردا عليهم : " فمن يملك من الله شيئا " أي من يمنع قدر الله أن ينزل بمن جعلتموه إلها " إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا ".
لقد زعموا أن الله هو المسيح عيسى ابن مريم وفي هذا اجتراء على مقام الألوهية المنزهة عن التشبيه وعن الحلول في أي شيء وفي هذا القول الكريم بلاغ لهؤلاء أن أحدا لا يستطيع أن يمنع إهلاك الله لعيسى وأمه وجميع من في الأرض، فهو الحق الملك الخالق للسموات والأرض، وما بينهما يخلق ما يشاء كما يريد، فإن كان قد خلق المسيح دون أب، فقد جاءنا البلاغ من قبل بأنه سبحانه خلق آدم بدون أب ولا أم، وخلق حواء دون أم، جلت عظمته وقدرته لا يعجزه شيء، إن عيسى عليه السلام من البشر قابل للفناء ككل البشر.
" ولله ملك السموات والأرض وما بينهما يخلق ما يشاء " جاء الحق هنا بالسماء كنوع علوي والأرض كنوع سفلي، وقوله : " يخلق ما يشاء " يرد على الشبهة بإيجاز دقيق : " يخلق ما يشاء " لأن الفتنة جاءت من ناحية أن عيسى عليه السلام ميز في طريقة خلقه بشيء لم يكن في عامة الناس، فأوضح الحق : لا تظنوا أن الخلق الذي أخلقه يشترط علي أن تكون هناك ذكورة وأنوثة ولقاح، هذا في العرف العام الذي يفترض وجود ذكورة وأنوثة، وإلا لكان يجب أن تكون الفتنة قبل عيسى في آدم، لأنه خلق من غير أب ولا أم، إذن فالذي يريد أن يفتتن بأنه من أم دون أب، كان يجب أن يفتتن في آدم لأنه لا أب له ولا أم، ويوضح لهم الله يخلق ما يشاء فلا يتحتم أو يلزم أن يكون من زوجين أو من ذكر فقط أو من أنثى فقط.
إن ربنا سبحانه وتعالى له طلاقة القدرة في أن يخلق ما يشاء، وقد أراد خلقه على القسمة العقلية المنطقية الأربعة : إما أن يكون من أب وأم مثلنا جميعا وإما أن يكون بعدمهما مثل آدم، وإما أن يكون بالذكر دون الأنثى كحواء وإما أن يكون بالأنثى دون الذكر كعيسى عليه السلام فأدار الله الخلق على القواعد المنطقية الأربعة كي لا تفهم أن ربنا يريد مواصفات خاصة كي يخلق بل هو يخلق ما يشاء والدليل على ذلك أن الزوجين يكونان موجودين مع بعضهما ومع ذلك لا ينجب منهما، فهل هناك اكتمال أكثر من هذا ؟.
لله ملك السماوات والأرض يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور( ٤٩ )أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما ( سورة الشورى ).
إذن فالمسألة ألا يفرض على ربنا عناصر تكوين، لا بل هي إرادة مكون لا عنصرية مكون، إنه " يخلق ما يشاء " ومشيئته مطلقة وقدرته عامة ولذلك لا بد أن يأتي القول : " والله على كل شيء قدير ".
تفسير الشعراوي
الشعراوي