وإذ قال موسى لقومه أي : من اليهود يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم أي : إنعامه فذكرهم بثلاثة أمور، أولها : قوله تعالى : إذ أي : حين جعل فيكم أي : منكم أنبياء فأرشدكم وشرفكم بهم ولم يبعث في أمّة ما بعث في بني إسرائيل من الأنبياء، وقرأ نافع وابن كثير وابن ذكوان وعاصم وحمزة والكسائي بإظهار ذال «إذ » عند الجيم وأدغمها أبو عمرو وهشام، وثانيها : قوله تعالى : وجعلكم ملوكاً أي : وجعل منكم أو فيكم فقد تكاثر فيهم الملوك تكاثر الأنبياء بعد فرعون حتى قتلوا يحيى وهمّوا بقتل عيسى وقال ابن عباس : وأصحاب خدم وحشم، قال قتادة : كانوا أوّل من ملك الخدم ولم يكن قبلهم خدم.
وعن أبي سعيد الخدري عن النبيّ صلى الله عليه وسلم إنه قال :( كان بنو إسرائيل إذا كان لأحدهم خادم وامرأة ودابة يكتب ملكاً ) وقال أبو عبد الرحمن الجيلي : سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص وسأله رجل فقال : ألسنا من فقراء المسلمين المهاجرين ؟ فقال عبد الله له : يا هذا ألك امرأة تأوي إليها ؟ قال : نعم قال : ألك مسكن تسكنه ؟ قال : نعم قال : فأنت غنيّ من الأغنياء قال : ألك خادم ؟ قال : نعم قال : أنت من الملوك. وقال السديّ : وجعلكم أحراراً تملكون أمر أنفسكم بعدما كنتم في أيدي القبط يستعبدونكم، وقال الضحاك : كانت منازلهم واسعة فيها مياه جارية فمن كان مسكنه واسعاً وفيه نهر جارٍ فهو ملك.
وثالثها : قوله تعالى : وآتاكم ما لم يؤت أحداً من العالمين وذلك، لأنه تعالى خصهم بأنواع عظيمة من الإكرام كفلق البحر لهم وأهلك عدوّهم وأورثهم أموالهم وأنزل عليهم المنّ والسلوى وأخرج لهم المياه الغزيرة من الحجر وأظلّ فوقهم الغمام، ولم يجتمع الملك والنبوّة لقوم كما اجتمعا لهم، وكانوا في تلك الأيام هم العلماء بالله تعالى وهم أحباب الله وأنصار دينه، وقيل : المراد بالعالمين عالمو زمانهم. وقال الكلبيّ : إن جعلت العالمين عامّاً وجب تخصيص «ما » لئلا يلزم أنهم أوتوا ما لم تؤت هذه الأمّة من الكرامة والفضل وغير ذلك وإن خصصته بعالمي زمانهم ف«ما » باقية على عمومها إذ لا محذور.
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني