( ١ ) وجعلكم ملوكا : أكثر المفسرين على أن هذا التعبير قد قصد به ما تيسر لبني إسرائيل بعد خروجهم من مصر من الحرية وملك النفس بعد العبودية لفرعون مصر. وأوردوا حديثا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم جاء فيه :( من كان له بيت وخادم فهو ملك ) وقد يوجه هذا إطلاق العبارة على جميع بني إسرائيل.
وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاء وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا ( ١ ) وَآتَاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّن الْعَالَمِينَ ( ٢٠ ) يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ ( ٢١ ) قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىَ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ ( ٢٢ ) قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ ( ٢ ) أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمَا ( ٣ ) ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ( ٢٣ ) قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ( ٢٤ ) قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ ( ٢٥ ) قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ ( ٢٦ ) ( ٢٠ – ٢٦ ).
تعليق على الآية :
وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاء وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا.......................
والآيات الست التي بعدها وما فيها من تلقين.
ورد على تضليل اليهود بأن القرآن قد أقر بأن الله تعالى كتب لهم الأرض المقدسة على التأبيد، وما كتبه عليهم من شتات وذلة وتسليط وغضب بسبب انحرافاتهم.
احتوت الآيات تذكيرا بموقف بني إسرائيل من موسى عليه السلام حينما أخرجهم من مصر وأرادهم على الدخول في الأرض المقدسة. وما كان من جبنهم وخوفهم من قوة سكانها وجبروتهم. وما كان من دعوة موسى عليهم. وقضاء الله عليهم بالتيه أربعين سنة. ووصفهم بالفاسقين. وعبارتها واضحة.
ولم نطلع على رواية في سبب نزول الآيات. والمتبادر أنها متصلة بالسياق السابق الاستطرادي. فقد ذكر فيه ما أخذه الله من مواثيق من اليهود والنصارى وما كان من نقضهم لها إجمالا، ثم أخذ يذكر فيه بعض بيانات متصلة بمعنى النقض والانحراف، وقد ذكر شذوذ النصارى في عقيدتهم بالمسيح. فجاء هذا الفصل لذكر بعض مواقف بني إسرائيل وشذوذهم أيضا.
وهذه هي المرة الوحيدة التي يذكر فيها هذا الحادث في القرآن، وهو مذكور في الإصحاحين الثالث عشر والرابع عشر من سفر العدد بشيء من التفصيل. وما ذكر هنا متطابق إجمالا لما ورد في هذا السفر. وقد جاء مقتضبا ؛ لأنه جاء في معرض التذكير والعظة وضرب المثل ولإبراز موقف الجبن والعناد والتعجيز الذي وقفه بنو إسرائيل من أمر الله ورسوله جريا على الأسلوب القصصي في القرآن.
وخلاصة ما جاء في الإصحاحين المذكورين أن الله أمر موسى بإرسال وفد فيه شخص من كل سبط من أسباط بني إسرائيل الاثني عشر ليتجسس حالة الأرض المقدسة. فذهبوا وعادوا يقولون : إنها أرض تدر لبنا وعسلا وحملوا معهم قطفا عظيما من العنب للدلالة على ذلك، ثم قالوا : ولكن سكانها أقوياء، ومنهم عمالقة من جبابرة بني عناق، ومدنهم حصينة، وقد رأينا أنفسنا كالجراد أمامهم. ففزع بنو إسرائيل وهاجوا على موسى وقالوا : لنقم علينا رئيسا ونعد إلى مصر. وانفرد عنهم يوشع وكالب من الوفد، فحاولا أن يهوّنا الأمر على بني إسرائيل، ويبثا فيهم الشجاعة فسخطوا عليهما، وكادوا أن يرجموهما، فغضب الرب عليهم وأقسم أن لا يدخل الأرض المقدسة الرجال الموجودون وأن يميتهم في البرية باستثناء عبدية يوشع وكالب. وهكذا ظلوا يتيهون في صحراء سيناء وأطرافها إلى أن فني الذين تمردوا على أمر الله.
وفي كتب التفسير ( ١ )١بيانات كثيرة منها ما هو مطابق مع ما جاء في سفر العدد ومنها ما لا يتطابق ومشوب بالمبالغة. ومن ذلك مثلا أن واحدا من الجبارين اسمه عوج الذي تذكر بعض الروايات ( ٢ )٢أن طوله كان ٣٣٣٣ ذراعا حمل الاثني عشر مندوبا بيده وعلى رأسه حملة حطب، وانطلق بهم إلى امرأته، فقال لها : انظري إلى هؤلاء القوم الذين يزعمون أنهم يريدون أن يقاتلونا فطرحهم بين يديها وقال لها : ألا أطحنهم برجلي، قالت : بل خل عنهم حتى يخبروا بما رأوا. والبيانات التي يوردها المفسرون معزوة إلى رواة الأخبار في الصدر الإسلامي الأول ؛ حيث يدل هذا على أن العرب في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كانوا على علم إجمالا بهذا الحادث عن طريق اليهود كما هو المتبادر.
ولقد وقف المفسرون عند جملة : وَآتَاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّن الْعَالَمِينَ فرووا عن ابن عباس وغيره أن الجملة تعني ما اختصوا به من تظليل الغمام وتنزيل المن والسلوى وتفجير عيون الماء من الحجر بضربة عصا موسى. وقالوا إلى هذا : إن كلمة العالمين إنما تعني العالمين في ذلك الزمن وليس كل زمن لأن الله تعالى آتى أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم من النعم والكرامة ما لم يؤت بني إسرائيل. والمتبادر أن هذا التأويل هو الأوجه وهو حق وصواب.
ولقد وقفوا كذلك عند جملة : وجعلكم ملوكا وقالوا : إنها لا تعني الملك بمعناه الشهر بدليل أن الكلمة شاملة لجميع بني إسرائيل. ولو أريد ذلك لجاءت الجملة ( وجعل منكم أو فيكم ملوكا ) كما جاءت الجملة التي قبلها وإنما عنت ما تيسر لهم من حرية وملك نفس بعد الاستعباد الطويل في مصر. ورووا إلى هذا عن أنس بن عياض أنه سمع زيد بن أسلم يقول في تأويل الجملة : لا أعلم إلا أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال :( من كان له بيت وخادم فهو ملك ) وأوردوا حكاية من هذا الباب جاء فيها أن عبد الله بن عمرو سأل شخصا شكى الفقر : هل لك بيت تسكنه وامرأة تأوي إليها ؟ قال : نعم. فقال له : إنك لست فقيرا. فقال : وإن لي خادما أيضا. فقال له : إنك من الملوك. وفي كل هذا وجاهة وسداد.
ولقد وقفوا عند كلمة المقدسة فرووا عن أهل التأويل أنها بمعنى المباركة أو المطهرة من الشرك، أو أن الله قدسها وباركها ؛ لأن حكمته شاءت أن تكون مهبط وحيه ومخرج أنبيائه. وأنها جميع بلاد الشام أو منطقة الطور، أو فلسطين والأردن.
وتأويل المقدسة بالمباركة متسق مع نصوص القرآن حيث جاء في آية سورة الأعراف ( ١٣٧ ) جملة : وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها وفي الآية الأولى من سورة الإسراء : سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ وفي آية سورة الأنبياء ( ٧١ ) ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها . ونص آية الإسراء بخاصة يفيد أن المقصود هو أرض فلسطين التي كان المسجد الأقصى فيها كما هو المتبادر..... ولقد نعتت هذه الأرض في الأسفار المتداولة بأرض كنعان نسبة إلى القوم الذين كانوا يعمرونها كما جاء ذلك في الإصحاح ( ١٢ ) من سفر التكوين في سياق ذكر هجرة إبراهيم وامرأته ولوط ابن أخيه. ثم ذكرت بهذا النعت مرارا في هذا السفر وفي الأسفار الأخرى، وفي سفر التكوين خبر تجلي الله لإبراهيم ووعده له بأن تكون هذه الأرض ثم بلاد أخرى بعدها لنسله. ثم تجلى الله لإسحاق ويعقوب وتوكيد وعده لهما. ويتخذ اليهود عبارات أسفارهم سندا لدعواهم في ملك فلسطين وما حولها شمالا وشرقا وجنوبا حتى تصل هذه الدعوى من ( النيل إلى الفرات ) أبديا، ويتخذون عبارات القرآن وبخاصة في هذه الآيات وآية الأعراف ( ١٣٧ ) وسيلة إلى إقناع المسلمين بذلك.
والأسفار التي يستندون إليها كتبت متأخرة عن موسى فضلا عن إبراهيم وإسحاق ويعقوب الذين سبقوا موسى بمئات السنين وتأثرت بالأحداث التي جرت لبني إسرائيل والتي تملكوا نتيجة لها أرض كنعان وبعض أنحاء مما جاورها شرقا وشمالا على ما ذكرناه في سياق تعليقنا على كلمة التوراة في سورة الأعراف، ولم تخلص لهم قط. وظل سكانها الأولون يسكنون معهم، ثم بعد تشردوا عنها عن أنحاء الأرض كما هو مسجل في أسفارهم. بحيث يصح القول بجزم : إن تلك الدعوى لم تتحقق لهم في أي وقت ليكون لهم حق استئنافها. فضلا عن أن ذلك التملك كان بالقوة وإراقة الدماء ونهب الأموال، ولا يمكن أن يكون العدوان مانحا لأي حق. وهذا إذا قصر الكلام على وجهة نظرهم. وبالنسبة للنصوص القرآنية، فإن وجهة نظر المؤولين والمفسرين هي أن ما ورد في الآيات التي نحن في صددها وفي آية الأعراف لا يفيد تأبيدا ولا استمرارا، وأنه بمثابة إيذان لموقف رباني إزاءهم مقابل موقف لهم. وبالنسبة لما مضى من الزمن والظروف وحسب. وقد تغير موقفهم بموقف الله منهم كما حكت ذلك آيات كثيرة على ما ذكرناه في تعليقنا على آية سورة الأعراف المذكورة، ونص هذه الآية يفيد أن الله أورثهم الأرض بما صبروا. ولقد حكت أسفارهم إنذارات ربانية رهيبة لهم إذا انحرفوا عن حدود الله بالتدمير والتحطيم وسلب كل ما منحهم وتشتيتهم في الأرض وتسليط الأمم والطبيعة عليهم. ولقد انحرفوا عن وصايا الله وحدوده. على ما ذكرته آيات القرآن وأسفارهم معا ( ١ )٣ففقدوا منحة الله وذلك السند القرآني. وحق عليهم الشتات والدمار والذلة والمسكنة وتسليط الله عليهم من يسومهم سوء العذاب إلى يوم القيامة مما سجلته آيات القرآن وأسفارهم معا وشرحناه في تعليقنا على آية الأعراف المذكورة بما يغني عن التكرار إلا أن نقول : إن عبارات الآيات هنا هي حكاية لقصة وردت في الأسفار المتداولة في أيدي اليهود. بقصد العبرة والموعظة ( ٢ )٤. وأن من الواجب على المسلمين أن ينتبهوا إلى تضليل اليهود ودعاياتهم الكاذبة ويحذروها، وأن يعتقدوا أن ذلك الوعد القرآني قد مضى وانقضى، وأن ما كتبه الله عليهم من ذلة ومسكنة وغضب وعذاب هو حق ومانع لكل إمكان لخلافه، وأن ما قد تيسر لهم من نجاح في فلسطين في الوقت الحاضر هو عابر لامتحان المسلمين وحسب، وأن الله محقق وعده وتقريره فيهم.
ولقد نبه المفسرون إلى ماضي ما حكته الآيات من فرض الله تعالى التيه أربعين سنة على بني إسرائيل من عبرة اجتماعية. وهي كون الجبل الذي عاش حياة المسكنة والاستعباد في مصر قد فقد قوة الإقدام على النضال فقضت حكمة الله أن يبقى في الصحراء حتى يموت وينشأ جيل جديد، ويكون قد عاش تلك الحياة. وهو تنبيه وجيه يصح أن يساق في معرض ما احتواه القرآن من عبر وحكم اجتماعية. وفيه من جهة وفي الفصل القرآني الذي نحن في صدده بعامة من جهة أخرى تلقين مستمر المدى للمسلمين بتجنب الموقف الذي وقفه بنو إسرائيل وحكاه القرآن حكاية متطابقة لما في أسفارهم من أمر الله ورسوله.
ولقد روى المفسرون ورواة الأحاديث موقفا يدل على ما كان لذلك التلقين من أثر في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؛ حيث رووا أن المقداد بن الأسود وبعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حينما استشارهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مناجزة قريش في يوم بدر أو في يوم الحديبية على اخ
وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاء وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا ( ١ ) وَآتَاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّن الْعَالَمِينَ ( ٢٠ ) يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ ( ٢١ ) قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىَ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ ( ٢٢ ) قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ ( ٢ ) أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمَا ( ٣ ) ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ( ٢٣ ) قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ( ٢٤ ) قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ ( ٢٥ ) قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ ( ٢٦ ) ( ٢٠ – ٢٦ ).
تعليق على الآية :
وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاء وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا.......................
والآيات الست التي بعدها وما فيها من تلقين.
ورد على تضليل اليهود بأن القرآن قد أقر بأن الله تعالى كتب لهم الأرض المقدسة على التأبيد، وما كتبه عليهم من شتات وذلة وتسليط وغضب بسبب انحرافاتهم.
احتوت الآيات تذكيرا بموقف بني إسرائيل من موسى عليه السلام حينما أخرجهم من مصر وأرادهم على الدخول في الأرض المقدسة. وما كان من جبنهم وخوفهم من قوة سكانها وجبروتهم. وما كان من دعوة موسى عليهم. وقضاء الله عليهم بالتيه أربعين سنة. ووصفهم بالفاسقين. وعبارتها واضحة.
ولم نطلع على رواية في سبب نزول الآيات. والمتبادر أنها متصلة بالسياق السابق الاستطرادي. فقد ذكر فيه ما أخذه الله من مواثيق من اليهود والنصارى وما كان من نقضهم لها إجمالا، ثم أخذ يذكر فيه بعض بيانات متصلة بمعنى النقض والانحراف، وقد ذكر شذوذ النصارى في عقيدتهم بالمسيح. فجاء هذا الفصل لذكر بعض مواقف بني إسرائيل وشذوذهم أيضا.
وهذه هي المرة الوحيدة التي يذكر فيها هذا الحادث في القرآن، وهو مذكور في الإصحاحين الثالث عشر والرابع عشر من سفر العدد بشيء من التفصيل. وما ذكر هنا متطابق إجمالا لما ورد في هذا السفر. وقد جاء مقتضبا ؛ لأنه جاء في معرض التذكير والعظة وضرب المثل ولإبراز موقف الجبن والعناد والتعجيز الذي وقفه بنو إسرائيل من أمر الله ورسوله جريا على الأسلوب القصصي في القرآن.
وخلاصة ما جاء في الإصحاحين المذكورين أن الله أمر موسى بإرسال وفد فيه شخص من كل سبط من أسباط بني إسرائيل الاثني عشر ليتجسس حالة الأرض المقدسة. فذهبوا وعادوا يقولون : إنها أرض تدر لبنا وعسلا وحملوا معهم قطفا عظيما من العنب للدلالة على ذلك، ثم قالوا : ولكن سكانها أقوياء، ومنهم عمالقة من جبابرة بني عناق، ومدنهم حصينة، وقد رأينا أنفسنا كالجراد أمامهم. ففزع بنو إسرائيل وهاجوا على موسى وقالوا : لنقم علينا رئيسا ونعد إلى مصر. وانفرد عنهم يوشع وكالب من الوفد، فحاولا أن يهوّنا الأمر على بني إسرائيل، ويبثا فيهم الشجاعة فسخطوا عليهما، وكادوا أن يرجموهما، فغضب الرب عليهم وأقسم أن لا يدخل الأرض المقدسة الرجال الموجودون وأن يميتهم في البرية باستثناء عبدية يوشع وكالب. وهكذا ظلوا يتيهون في صحراء سيناء وأطرافها إلى أن فني الذين تمردوا على أمر الله.
وفي كتب التفسير ( ١ )١بيانات كثيرة منها ما هو مطابق مع ما جاء في سفر العدد ومنها ما لا يتطابق ومشوب بالمبالغة. ومن ذلك مثلا أن واحدا من الجبارين اسمه عوج الذي تذكر بعض الروايات ( ٢ )٢أن طوله كان ٣٣٣٣ ذراعا حمل الاثني عشر مندوبا بيده وعلى رأسه حملة حطب، وانطلق بهم إلى امرأته، فقال لها : انظري إلى هؤلاء القوم الذين يزعمون أنهم يريدون أن يقاتلونا فطرحهم بين يديها وقال لها : ألا أطحنهم برجلي، قالت : بل خل عنهم حتى يخبروا بما رأوا. والبيانات التي يوردها المفسرون معزوة إلى رواة الأخبار في الصدر الإسلامي الأول ؛ حيث يدل هذا على أن العرب في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كانوا على علم إجمالا بهذا الحادث عن طريق اليهود كما هو المتبادر.
ولقد وقف المفسرون عند جملة : وَآتَاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّن الْعَالَمِينَ فرووا عن ابن عباس وغيره أن الجملة تعني ما اختصوا به من تظليل الغمام وتنزيل المن والسلوى وتفجير عيون الماء من الحجر بضربة عصا موسى. وقالوا إلى هذا : إن كلمة العالمين إنما تعني العالمين في ذلك الزمن وليس كل زمن لأن الله تعالى آتى أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم من النعم والكرامة ما لم يؤت بني إسرائيل. والمتبادر أن هذا التأويل هو الأوجه وهو حق وصواب.
ولقد وقفوا كذلك عند جملة : وجعلكم ملوكا وقالوا : إنها لا تعني الملك بمعناه الشهر بدليل أن الكلمة شاملة لجميع بني إسرائيل. ولو أريد ذلك لجاءت الجملة ( وجعل منكم أو فيكم ملوكا ) كما جاءت الجملة التي قبلها وإنما عنت ما تيسر لهم من حرية وملك نفس بعد الاستعباد الطويل في مصر. ورووا إلى هذا عن أنس بن عياض أنه سمع زيد بن أسلم يقول في تأويل الجملة : لا أعلم إلا أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال :( من كان له بيت وخادم فهو ملك ) وأوردوا حكاية من هذا الباب جاء فيها أن عبد الله بن عمرو سأل شخصا شكى الفقر : هل لك بيت تسكنه وامرأة تأوي إليها ؟ قال : نعم. فقال له : إنك لست فقيرا. فقال : وإن لي خادما أيضا. فقال له : إنك من الملوك. وفي كل هذا وجاهة وسداد.
ولقد وقفوا عند كلمة المقدسة فرووا عن أهل التأويل أنها بمعنى المباركة أو المطهرة من الشرك، أو أن الله قدسها وباركها ؛ لأن حكمته شاءت أن تكون مهبط وحيه ومخرج أنبيائه. وأنها جميع بلاد الشام أو منطقة الطور، أو فلسطين والأردن.
وتأويل المقدسة بالمباركة متسق مع نصوص القرآن حيث جاء في آية سورة الأعراف ( ١٣٧ ) جملة : وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها وفي الآية الأولى من سورة الإسراء : سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ وفي آية سورة الأنبياء ( ٧١ ) ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها . ونص آية الإسراء بخاصة يفيد أن المقصود هو أرض فلسطين التي كان المسجد الأقصى فيها كما هو المتبادر..... ولقد نعتت هذه الأرض في الأسفار المتداولة بأرض كنعان نسبة إلى القوم الذين كانوا يعمرونها كما جاء ذلك في الإصحاح ( ١٢ ) من سفر التكوين في سياق ذكر هجرة إبراهيم وامرأته ولوط ابن أخيه. ثم ذكرت بهذا النعت مرارا في هذا السفر وفي الأسفار الأخرى، وفي سفر التكوين خبر تجلي الله لإبراهيم ووعده له بأن تكون هذه الأرض ثم بلاد أخرى بعدها لنسله. ثم تجلى الله لإسحاق ويعقوب وتوكيد وعده لهما. ويتخذ اليهود عبارات أسفارهم سندا لدعواهم في ملك فلسطين وما حولها شمالا وشرقا وجنوبا حتى تصل هذه الدعوى من ( النيل إلى الفرات ) أبديا، ويتخذون عبارات القرآن وبخاصة في هذه الآيات وآية الأعراف ( ١٣٧ ) وسيلة إلى إقناع المسلمين بذلك.
والأسفار التي يستندون إليها كتبت متأخرة عن موسى فضلا عن إبراهيم وإسحاق ويعقوب الذين سبقوا موسى بمئات السنين وتأثرت بالأحداث التي جرت لبني إسرائيل والتي تملكوا نتيجة لها أرض كنعان وبعض أنحاء مما جاورها شرقا وشمالا على ما ذكرناه في سياق تعليقنا على كلمة التوراة في سورة الأعراف، ولم تخلص لهم قط. وظل سكانها الأولون يسكنون معهم، ثم بعد تشردوا عنها عن أنحاء الأرض كما هو مسجل في أسفارهم. بحيث يصح القول بجزم : إن تلك الدعوى لم تتحقق لهم في أي وقت ليكون لهم حق استئنافها. فضلا عن أن ذلك التملك كان بالقوة وإراقة الدماء ونهب الأموال، ولا يمكن أن يكون العدوان مانحا لأي حق. وهذا إذا قصر الكلام على وجهة نظرهم. وبالنسبة للنصوص القرآنية، فإن وجهة نظر المؤولين والمفسرين هي أن ما ورد في الآيات التي نحن في صددها وفي آية الأعراف لا يفيد تأبيدا ولا استمرارا، وأنه بمثابة إيذان لموقف رباني إزاءهم مقابل موقف لهم. وبالنسبة لما مضى من الزمن والظروف وحسب. وقد تغير موقفهم بموقف الله منهم كما حكت ذلك آيات كثيرة على ما ذكرناه في تعليقنا على آية سورة الأعراف المذكورة، ونص هذه الآية يفيد أن الله أورثهم الأرض بما صبروا. ولقد حكت أسفارهم إنذارات ربانية رهيبة لهم إذا انحرفوا عن حدود الله بالتدمير والتحطيم وسلب كل ما منحهم وتشتيتهم في الأرض وتسليط الأمم والطبيعة عليهم. ولقد انحرفوا عن وصايا الله وحدوده. على ما ذكرته آيات القرآن وأسفارهم معا ( ١ )٣ففقدوا منحة الله وذلك السند القرآني. وحق عليهم الشتات والدمار والذلة والمسكنة وتسليط الله عليهم من يسومهم سوء العذاب إلى يوم القيامة مما سجلته آيات القرآن وأسفارهم معا وشرحناه في تعليقنا على آية الأعراف المذكورة بما يغني عن التكرار إلا أن نقول : إن عبارات الآيات هنا هي حكاية لقصة وردت في الأسفار المتداولة في أيدي اليهود. بقصد العبرة والموعظة ( ٢ )٤. وأن من الواجب على المسلمين أن ينتبهوا إلى تضليل اليهود ودعاياتهم الكاذبة ويحذروها، وأن يعتقدوا أن ذلك الوعد القرآني قد مضى وانقضى، وأن ما كتبه الله عليهم من ذلة ومسكنة وغضب وعذاب هو حق ومانع لكل إمكان لخلافه، وأن ما قد تيسر لهم من نجاح في فلسطين في الوقت الحاضر هو عابر لامتحان المسلمين وحسب، وأن الله محقق وعده وتقريره فيهم.
ولقد نبه المفسرون إلى ماضي ما حكته الآيات من فرض الله تعالى التيه أربعين سنة على بني إسرائيل من عبرة اجتماعية. وهي كون الجبل الذي عاش حياة المسكنة والاستعباد في مصر قد فقد قوة الإقدام على النضال فقضت حكمة الله أن يبقى في الصحراء حتى يموت وينشأ جيل جديد، ويكون قد عاش تلك الحياة. وهو تنبيه وجيه يصح أن يساق في معرض ما احتواه القرآن من عبر وحكم اجتماعية. وفيه من جهة وفي الفصل القرآني الذي نحن في صدده بعامة من جهة أخرى تلقين مستمر المدى للمسلمين بتجنب الموقف الذي وقفه بنو إسرائيل وحكاه القرآن حكاية متطابقة لما في أسفارهم من أمر الله ورسوله.
ولقد روى المفسرون ورواة الأحاديث موقفا يدل على ما كان لذلك التلقين من أثر في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؛ حيث رووا أن المقداد بن الأسود وبعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حينما استشارهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مناجزة قريش في يوم بدر أو في يوم الحديبية على اخ
التفسير الحديث
دروزة