ثُمَّ إنَّ مُوسى - عليه السلام - لمَّا سَمِع مِنْهُم هذا الكلام قال : رَبِّ إنِّي لا أمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وأخِي . في إعْرَاب " أخي " سِتَّةُ أوْجُه :
أظهرها : أنَّهُ مَنْصُوبٌ عَطْفاً على " نَفْسِي "، والمعنى(١) : لا أمْلِكُ إلاَّ أخِي مع مِلْكِي لِنَفْسي دُونَ غَيْرنَا.
الثاني : أنَّهُ مَنْصُوبٌ عَطْفاً على اسْمِ " إنَّ "، وخَبَرُهَا محذوفٌ للدَّلالة اللَّفْظِيَّة عَلَيْه، أي : وإنَّ أخِي لا يَمْلِكُ إلا نَفْسَه.
الثالث : أنَّهُ مرفوع عَطْفاً على مَحَلِّ اسم " إنَّ " ؛ لأنَّه يُعَدُّ استكمال الخَبر على خلافٍ في ذَلِك، وإن كان بَعْضُهم قد ادَّعى(٢) الإجْمَاعَ على جَوَازه.
الرابع : أنَّهُ مَرْفُوع بالابْتِدَاء، وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ للدَّلالة المتقدِّمَة، ويكون قد عَطفَ جُمْلَة غَيْرَ مُؤكَّدَةٍ عَلَى جُمْلَةٍ مُؤكَّدَة [ ب " إنَّ " ](٣).
الخامس : أنَّه مَرْفُوعٌ عَطْفاً على الضَّمير المُستكِنِّ في " أمْلك "، والتَّقْدير : ولا يَملِكُ أخي إلا نَفْسَه، [ وجاز ذلك لِلْفَصْل بقوله :" إلاَّ نَفْسِي " ](٤) وقال بهذا الزَّمَخْشَرِيُّ(٥)، ومَكِّي(٦)، وابنُ عطيَّة(٧)، وأبُو البقاء(٨) ورَدّ أبُو حَيَّان(٩) هذا الوَجْهَ، بأنَّه يلزم منه أنَّ مُوسَى وهَارُون لا يَمْلِكَان إلاَّ نَفْسَ مُوسَى فَقَطْ [ وَلَيْس المَعْنَى على ذَلِك ](١٠)، وهذا الرَّدُّ لَيْس بِشَيْءٍ ؛ لأنَّ القائِل بهذا الوَجْهِ صَرَّح بِتَقْديرِ المفعول بَعْد الفاعِلِ المَعْطُوف.
وأيضاً اللَّبْسُ مأمُونٌ، فإن كلَّ أحِدٍ يَتَبادَرُ إلى ذِهْنِهِ أنَّهُ يَمْلِكُ أمْرَ نَفْسِهِ.
السادس : أنَّه مَجْرُورٌ عطفاً على " اليَاء " في " نَفْسِي "، أي : إلاَّ نَفْسِي ونَفْس أخِي، وهو ضعيفٌ على قَوَاعِدِ البَصْريِّين لِلْعَطْفِ على الضَّمِير المَجْرُور من غَيْر إعادَةِ الجَارِّ، وقد تقدَّم ما فيه.
والحَسَن البَصْرِيُّ(١١) يقرأ بِفَتْح [ ياء ](١٢) " نَفْسِي "، و " أخِي ".
وقرأ يوسُف بن دَاوُد وعُبَيْد بن عُمَيْر(١٣) " فَافْرِق " بِكَسْرِ الرَّاء، وهي لُغَةٌ : فَرَقَ يَفْرِق ك " يضرب " قال الراجز :[ الرجز ]
| يا رَب فَافْرِقْ بَيْنَهُ وبَيْنِي(١٤) | أشَدَّ ما فَرَّقْت بَيْنَ اثْنَيْنِ(١٥) |
فإن قيل : لم قال : لا أمْلِكُ إلاَّ نَفْسِي وَأخِي وكان مَعَهُ الرَّجُلان المَذْكُورَان ؟.
فالجواب : كأنَّه لم يَثِقْ بِهِمَا كُلَّ الوُثُوق لِمَا رَأى [ من ](١٧) إطباقِ الأكْثَرِين على التَّمَرُّد(١٨)، ولَعَلَّهُ إنَّما قَالَ ذَلِكَ تَقْلِيلاً لمن وَافَقَهُ، أو يكُون المُرَادُ بالأخِ مَنْ يُؤاخِيهِ في الدِّين، وعلى هذا يَدْخل الرَّجُلان.
والمُرادُ بقوله : فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ أي : افْصِلْ بَيْنَنَا وبَيْنَهُم، بأنْ تَحْكُم لَنَا بما تَسْتَحِقُّ وتحْكُم عَلَيْهِم بما يَسْتَحِقُّون، وهُوَ في مَعْنَى الدُّعَاء عَلَيْهِم، أو يكون المَعْنَى : خَلِّصْنَا من صُحْبَتِهِم، وهو كقوله : نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [ القصص : ٢١ ].
٢ في أ: أدى..
٣ في أ: بأل..
٤ سقط في أ..
٥ ينظر: الكشاف ١/٦٢٢..
٦ ينظر: المشكل ١/٢٢٥..
٧ ينظر: المحرر الوجيز ٢/١٧٦..
٨ ينظر: الإملاء ١/٢١٣..
٩ ينظر: البحر المحيط ٣/٤٧١-٤٧٢..
١٠ في أ: دليل المعنى عليه على ذلك..
١١ ينظر: المحرر الوجيز ٢/١٧٦، والبحر المحيط ٣/٤٧٢، والدر المصون ٢/٥٠٨..
١٢ سقط في أ..
١٣ ينظر: تخريج القراءة السابقة..
١٤ في أ: بين وبينه..
١٥ ينظر: مجاز القرآن ١/١٦٠، البحر المحيط ٣/٤٧٢، الطبري ٤/٥٢٢، الدر المصون ٢/٥٠٨..
١٦ ينظر: البحر المحيط ٣/٤٧٢، والدر المصون ٢/٥٠٨..
١٧ سقط في أ..
١٨ في أ: التردد..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود