نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٤٢:٢٠٢- قال الشافعي رحمه الله تعالى : لم أعلم مخالفا من أهل العلم بالسير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل بالمدينة وادع يهود كافة على غير جزية، وأن قول الله عز وجل : فَإِن جَاءوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُمُ أَوَ اَعْرِضْ عَنْهُمْ ١ أنما نزلت في اليهود الموادعين الذين لم يعطوا جزية، ولم يقروا بأن يجري عليهم الحكم. وقال بعض : نزلت في اليهوديين اللذين زنيا٢.
قال الشافعي رحمه الله تعالى : والذي قالوا يشبه ما قالوا لقول الله عز وجل : وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ اَلتَّوْرياةُ فِيهَا حُكْمُ اَللَّهِ ٣ وقوله تبارك وتعالى : وَأَنُ اَحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اَللَّهُ وَلا تَتَّبِعَ اَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمُ أَنْ يَّفْتِنُوكَ ٤ الآية. يعني ـ والله تعالى أعلم ـ أن يتولوا عن حكمك بغير رضاهم، وهذا يشبه أن يكون ممن أتى حاكما غير مقهور على الحكم.
والذين حاكموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في امرأة منهم ورجل زنيا موادعون، وكان في التوراة الرجم، ورجوا أن لا يكون من حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجم، فجاءوا بهما فرجمهما رسول الله صلى الله عليه وسلم٥.
قال : وإذا وادع الإمام قوما من أهل الشرك، ولم يشترط أن يجري عليهم الحكم، ثم جاءوه متحاكمين، فهو بالخيار بين أن يحكم بينهم أو يدع الحكم، فإن اختار أن يحكم بينهم حكم بينهم حكمه بين المسلمين لقول الله عز وجل : وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ ٦ والقسط حكم الله عز وجل الذي أنزله عليه صلى الله عليه وسلم. ( الأم : ٤/٢١٠. ون الأم : ٤/١٨٧ و ٦/١٣٨-١٣٩ و ٥/٢٤٣ و ٧/١٦٣ و ٧/٣١. ومختصر المزني ص : ٢٨٠. وأحكام الشافعي : ٢/٧٦-٧٨ و ٢/٧٣-٧٤ و ٢/١٢١-١٢٢. ومناقب الشافعي : ١/٣٧٢-٣٧٣. )
ــــــــــــ
٢٠٣- قال الشافعي رحمه الله تعالى : فقال لي قائل : ما الحجة في أن لا يحكم بينهم الحاكم حتى يجتمعوا على الرضا ثم يكون بالخيار إن شاء حكم، وإن شاء لم يحكم ؟
فقلت له : قول الله عز وجل لنبيه : فَإِن جَاءوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُمُ أَوَ اَعْرِضْ عَنْهُمْ ٧ الآية.
قال الشافعي رحمه الله تعالى : فإن جاءوك، وجاءوك كأنها على المتنازعين لا على بعضهم دون بعض، وجعل له الخيار فقال : فَاحْكُم بَيْنَهُمُ أَوَ اَعْرِضْ عَنْهُمْ ٨.
قال : فإنا نزعم أن الخيار منسوخ لقول الله عز وجل : وَأَنُ اَحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اَللَّهُ ٩. قلت له : فاقرا الآية : وَلا تَتَّبِعَ اَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمُ أَنْ يَّفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اَللَّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمَ ١٠.
قال الشافعي رحمه الله تعالى : فسمعت من أرض علمه يقول : وأن احكم بينهم إن حكمت على معنى قوله : فَاحْكُم بَيْنَهُمُ أَوَ اَعْرِضْ عَنْهُمْ ١١ فتلك مفسرة وهذه جملة في قوله :
فَإِن تَوَلَّوْاْ ١٢ دلالة على أنهم إن تولوا لم يكن عليه الحكم بينهم، ولو كان قوله : وَأَنُ اَحْكُم بَيْنَهُم ١٣ إلزاما منه للحكم بينهم التزم منهم الحكم متولين، لأنهم إنما تولوا بعد الإتيان. فأما ما لم يأتوا فلا يقال لهم تولوا وهم والمسلمون إذا لم ياتوا يتحاكمون لم يحكم بينهم. إلا أنه يتفقد من المسلمين ما أقاموا عليه مما يحرم عليهم فيغير عليهم، وإن كان أهل الذمة دخلوا بقول الله عز وجل : وَأَنُ اَحْكُم بَيْنَهُم ١٤ في معنى المسلمين انبغى للوالي أن يتفقد منهم ما أقاموا عليه مما يحرم عليهم. ( الأم : ٧/٤٢-٤٣. ون الأم : ٦/١٤١. وأحكام الشافعي : ٢/٧٥-٧٦. )
٢ - ن لباب النقول ص: ١٢٠-١٢١..
٣ - المائدة: ٤٣..
٤ - المائدة: ٤٩. وتمامها: عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اَللَّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمَ اَنَّمَا يُرِيدُ اَللَّهُ أَنْ يُّصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرا مِّنَ اَلنَّاسِ لَفَاسِقُونَ..
٥ - أخرج البخاري في المحاربين (٩٠) باب: أحكام أهل الذمة وإحصانهم إذا زنوا ورفعوا إلى الإمام (٢٣)(ر٦٤٥٠) عن مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال: إن اليهود جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكروا له أن رجلا منهم وامرأة زنيا، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟» فقالوا: نفضحهم ويجلدون، قال عبد الله بن سلام: كذبتم إن فيها الرجم، فأتوا بالتوراة فنشروها، فوضع أحدهم يده على آية الرجم، فقرا ما قبلها وما بعدها، فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك، فرفع يده فإذا فيها آية الرجم، قالوا: صدق يا محمد فيها آية الرجم، فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجما، فرأيت الرجل يحني على المرأة يقيها الحجارة.
وأخرجه كذلك مختصرا في الجنائز (٢٩) باب: الصلاة على الجنائز بالمصلى والمسجد (٥٩). وفي التفسير (٦٨) آل عمران باب: قُلْ فَاتُوا بِالتَّوْرياةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (آل عمران: ٩٣) (٦٤). وفي الاعتصام بالكتاب والسنة (٩٩) باب: ما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم وحض على اتفاق أهل العلم (١٦). وفي التوحيد (١٠٠) باب: ما يجوز من تفسير التوراة وغيرها من كتب الله بالعربية وغيرها (٥١).
وأخرجه مسلم في الحدود (٢٩) باب: رجم اليهود أهل الذمة في الزنى (٦)(ر١٦٩٩).
وأخرجه أبو داود، والترمذي، وابن ماجة، ومالك، وأحمد، والدارمي، والبيهقي.
وأخرجه الشافعي في المسند (ر١٢٧٦) مختصرا، وفي الرسالة ص: ٢٥٠..
٦ - المائدة: ٤٢..
٧ - المائدة: ٤٢..
٨ - المائدة: ٤٢..
٩ - المائدة: ٤٩..
١٠ - المائدة: ٤٩. وتمامها: اَنَّمَا يُرِيدُ اَللَّهُ أَنْ يُّصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرا مِّنَ اَلنَّاسِ لَفَاسِقُونَ..
١١ - المائدة: ٤٢..
١٢ - المائدة: ٤٩..
١٣ - المائدة: ٤٩..
١٤ - المائدة: ٤٩..
تفسير الشافعي
الشافعي أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن عبد المطلب بن عبد مناف المطلبي القرشي المكي