ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜ

ومن بعد ذلك يقول الحق سبحانه وتعالى :
ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم ولأدخلناهم جنات النعيم ( ٦٥ ) .
هذا القول يدل على أن أهل الكتاب جميعا في غير حظيرة الإيمان، والحق يوضح لهم : إن فسادكم كان سابقا على ظهور الإسلام، ولهذا جاء الإسلام ليخرج الناس من فسادكم أنتم. لقد كان لكم منهج من الله ولكنكم حرفتموه، وإن لكم رسلا أرسلهم الله إليكم ولكنكم أسأتم إليهم، وطقوسا دينية ابتدعتموها. وجاء الإسلام لا ليهدي الملاحدة فقط، ولكن ليهدي أيضا الذين أضلهم أرباب أهل الكتاب. وكانوا من بعد الإسلام يحاربون الإسلام بالاستشراق، وكانوا يؤلفون الكتب ليطعنوا الإسلام. لكنهم وجدوا أن الناس تنصرف عنهم ؛ لذلك جاءوا بمن يمدح الإسلام ويدس في أثناء المديح ما يفسد به عقيدة المسلمين.
إننا نجد بعضا من المؤلفات تتحدث عن عظمة الإسلام تأتي من الغرب، ولكنهم يحاولون الطعن من باب خفي كأن يقولوا : إن محمد عبقري نادر في تاريخ البشرية ويبنون كل القول على أساس أن ما جاء به محمد هو من باب العبقرية البشرية، لا من باب الرسالة والنبوة. ونجد مثالا على ذلك رجلا أوروبيا يؤلف كتابات عن مائة عظيم في العالم ويضع محمد صلى الله عليه وآله وسلم على رأسهم جميعا. ونقول له : شكرا : ولكن لماذا لم تؤمن أنت برسالة محمد بن عبد الله ؟.
إن شهادتهم لنا لا تهمنا في كثير أو في قليل. لقد هاجمونا من قبل بشكل علني. ويحاولون الآن الهجوم علينا بشكل مستتر. وهم أخذوا بعضا من أبناء البلاد الإسلامية ليربوهم في مدارس الغرب وجامعاته من أجل أن يجعلوا من هؤلاء الشباب دعاة لقضاياهم في إفساد المسلمين، ولم ينجحوا إلا مع القليل ؛ لذلك نقول لشبابنا : احذروا أن تكونوا المفسدين تدعوا أنكم المصلحون، فلا تأخذوا المسألة بالطلاء الخارجي ولكن انظروا إلى عمق القضايا، وتذكروا قول الحق :
قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا ( ١٠٣ ) الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ( ١٠٤ ) ( سورة الكهف ).
علينا أن نرقب كل فساد في الكون، وسنجد أن لأصابع أعداء الإسلام أثرا واضحا. لقد كان من اجتراء الصهيونية إلى حد الوقاحة أن تقول : ليطمئن شعب الله المختار، فثمانون في المائة من وسائل الإعلام في العالم خاضعة لإرادتنا ولا يمكن أن يعلم فيها إلا ما نحب أن يعلم. والحق سبحانه وتعالى عندما يقول.
ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم ولأدخلناهم جنات النعيم ( ٦٥ ) ( سورة المائدة ).
فسبحانه وتعالى بهذه الآية يقدم الفرصة لهؤلاء الناس حتى يدخلوا إلى حظيرة الإيمان ويستغفروا الله عن خطاياهم الماضية وليبدءوا حياة جيدة على نقاء وصفاء بدلا من التحريف والتضليل. وليعرفوا معرفة حقة قوله تعالى في رسوله : وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين .
هذا القول يجب أن يتهافت إليه غير المسلمين مع المسلمين ليأخذوا من ينبوع الرحمة، وفي ذلك تصفية عقدية شاملة تتيح لكل إنسان أن يبدأ طريق إصلاح نفسه.
وقوله الحق : ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا إنما يدعوهم إلى الإيمان، والتقوى. والإيمان محله القلب، أي أن يستقر في القلب الاعتقاد بوجود إله أعلى، وأن نؤمن بالبلاغ عن الإله الأعلى بواسطة الرسل، وأن نؤمن بالرسل وبالمناهج التي جاءوا بها، وأن نتبع هذه المناهج، وأن نؤمن بأن المرجع إلى الله، هذا الإيمان ينعكس على الحركة الإيمانية في الأرض، ويحقق الإيمان مع التقوى اتجاه الإنسان إلى الصالح من العمل. وأن يبتعد عن غير الصالح من العمل اتباعا لقول الحق :
والعصر( ١ ) إن الإنسان لفي خسر( ٢ ) إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتوصوا بالصبر( ٣ ) ( سورة العصر ).
ولذلك نجد قولا لأحد العلماء الصالحين من العرب هو : إن الإيمان كالعمد والأعمال كالأطناب. وعرف أن كل بيت له أساس من الأعمدة، وله أوتاد تثبته. والخيمة العربية هي بيت من القماش السميك على عمود من الخشب وتشد الخيمة إلى الأوتاد بحبال، وهذه الحبال هي الأطناب ولا تقوم الخيمة إلا إذا ربطت بأحبال وشدت إلى أوتاد. وكان العربي يفك هذه الخيمة، ويحملها على ظهر بعيره لينصبها في أي مكان. وكان العربي يختار القماش الذي إن نزل عليه المطر، يمتص الماء ويمنع سقوطه داخل الخيمة.
إذن فالإيمان عمود، والأعمال أطناب. وهكذا تكون دعوة الحق لأهل الكتاب حتى يؤمنوا ويتقوا الله حتى يكفر عنهم سيئاتهم، والكفر – كما نعرف – هو الستر والتغطية والعفو هو محو الأثر، كأن الحق سيغطي على سيئاتهم ثم يمحوا أثرها وذلك بأن يعفو عنها ؛ لأن الإسلام إنما جاء رحمة يجب أن تستغل ليكفر الحق عن سيئاتهم التي ضللوا بها شعوبهم.
لقد كان من الواجب عليهم أن يعرفوا أن مجيء رسول صلى الله عليه وآله وسلم هو فرصة للتراجع عن الكفر والبهتان. وقد جاء صلى الله عليه وآله وسلم ليقيم تصفية عقدية في الكون، فالملحد يجب عليه أن يتعرف على خالق الوجود ويؤمن به، والمبدل لمنهج الله ينبغي أن يعود إلى منهج الله. وتلك هي التصفية العقدية الشاملة.

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير