البلاغة:
في اتحاد الشرط والجواب سرّ منقطع النظير، وذلك أنه لا بدّ أن يكون الجزاء مغايرا للشرط لتحصل الفائدة. ومتى اتحدا اختل الكلام لأنه يئول ظاها الى: وان لم تفعل فما فعلت، ولكنه أراد هنا أن يتحدا، لأن عدم تبليغ الرسالة أمر معلوم عند الناس، مستقرّ في الأفهام أنه عظيم شنيع ينقم على مرتكبه، ولأن عدم نشر العلم من العالم أمر يستوجب المذمة، فما بالك بالرسالة؟ فجعل الجزاء عين الشرط ليتضح مدى الاهتمام بالتبليغ. وقيل أيضا في هذا الصدد:
أي إن تركت شيئا فقد تركت الكل، وصار ما بلغته غير معتدّ به، فصار المعنى: وإن لم تستوف ما أمرت بتبليغه فحكمك في العصيان وعدم الامتثال حكم من لم يبلغ شيئا أصلا.
[سورة المائدة (٥) : آية ٦٨]
قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٦٨)
الإعراب:
(قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ) كلام مستأنف مسوق لنفي تخرّ صاتهم بأنهم يتبعون التوراة. وقل فعل أمر، ويا أهل الكتاب منادى مضاف، ولستم: فعل ماض ناقص، والتاء اسمها، وعلى شيء
جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبرها، وسيأتي مزيد عن ليس في باب الفوائد (حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ) حتى حرف غاية وجر، وتقيموا فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد حتى، والجار والمجرور متعلقان ب «لستم» والتوراة مفعول تقيموا، ولا بد من تقدير مضاف، أي: أحكامهما وما ينطويان عليه من مثل عليا (وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً) الواو استئنافية واللام جواب قسم محذوف، ويزيدن فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، والجملة لا محل لها لأنها جواب القسم، وكثيرا مفعول به، ومنهم متعلقان بمحذوف صفة ل «كثيرا» وما اسم موصول فاعل يزيدن، ومن ربك متعلقان بمحذوف حال، وطغيانا مفعول به ثان أو تمييز، وكفرا عطف على طغيانا (فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ) الفاء الفصيحة، أي: إذا علمت هذا فلا تأس، ولا ناهية، وتأس فعل مضارع مجزوم بلا، وعلامة جزمه حذف حرف العلة، وعلى القوم متعلقان بتأس، والكافرين صفة.
البلاغة:
التنوين في «شيء» يفيد التقليل والتحقير، أي: لستم على شيء يعتدّ به حتى تقيموا أحكام التوراة والإنجيل.
الفوائد:
(لَسْتُمْ) حذفت عين «ليس» وهي الياء، لالتقاء الساكنين، أي: الياء والسين، إذ أصله: ليس بكسر الياء، ثم سكنت الياء
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين بن أحمد مصطفى درويش