ثم خص اليهود بالعتاب لعظم جرأتهم، فقال :
لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمْ رُسُلاً كُلَّمَا جَآءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُواْ وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ وَحَسِبُواْ أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُواْ وَصَمُّواْ ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٌ مِّنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ
قلت : المضارع إذا وقع بعد العلم وجب إهمال ( أن ) معه، فتكون مخففة، وإن وقعت بعد الظن يصح فيها الوجهان، فمن قرأ : وحسبوا ألا تكون بالرفع، فأن مخففة، ومن قرأ بالنصب فأن مصدرية. والفرق بين العلم والظن، أن علم العبد إنما يتعلق بالحال، و( أن ) تُخلص للاستقبال، فلا يصح وقوعها بعد العلم، فأهملت وكانت مخففة من الثقيلة، بخلاف الظن ؛ فيتعلق بالحال والاستقبال، فصح وقوع ( أن ) بعده.
يقول الحقّ جلّ جلاله : لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل أن يعملوا بأحكام التوراة، وأرسلنا إليهم رسلاً يجددون العهد ويحثون على الوفاء به، ثم إنهم طغوا وعتوا ؛ كلما جاءهم رسول من عند الله بما لا تهوى أنفسهم من الشرائع التي تخالف أهواءهم ومشاق الطاعة، فريقًا منهم كذبوهم وفريقًا يقتلونهم، أي : كذبوا فريقًا كداود وسليمان، وفريقًا قتلوهم بعد تكذيبهم كزكريا ويحيى، وقصدوا قتل عيسى عليه السلام فليس ما فعلوا معك ببعد منهم، فلهم سلف في ذلك.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي