ﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀ

ويقول الحق بعد ذلك : لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل وأرسلنا إليهم رسلا كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم فريقا كذبوا وفريقا يقتلون ( ٧٠ ) .
والميثاق هو العهد المؤكد الموثق، الذي يقتضي الوفاء الشديد. ولا توثق العهود إلا مظنة المخالفة. والمواثيق في الإيمان بالله كثيرة. فهناك الميثاق الأول عندما كنا جميعا في ظهور الآباء.
وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا
( من الآية ١٧٢ سورة الأعرف )
أو الميثاق الذي أخذه الله لنصرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :
وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما أتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أقررتم وأخذتم على ذلكم إصرا قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين ( ٨١ )
( سورة آل عمران )، أو الميثاق الخاص الذي أخذ على كل أمة. وفي كل جزئية من جزيئات الدين يؤخذ ميثاق، فنحن في الإسلام مأخوذ علينا الكثير من المواثيق. وكذلك رأينا النبي وقد أخذ لنفسه الميثاق في العقبة، رأى الرسول أن ما يربطه بالأوس والخزرج الكثير، كما يربطه بكل قوم يحنون إلى الوحدة تحت راية إيمان واحد، وكان اليهود يعتبرون عرب الأوس والخزرج مجرد همج وخدم يعملون لهم، وارتأوا السيادة لأنفسهم. وكلما اختلفوا معهم هددوهم بمجيء رسول قادم سيؤمنون به وسيقتلونهم تقتيلا.
وكان كل من الأوس والخزرج يحاول أن يستميل اليهود إليه ؛ فالأوس حالفت بني قريظة. وحالف الخزرج بني قينقاع وبني النضير. وتلقى الاثنان الوعيد من اليهود بعد ظهور النبي القادم، وذلك ما جعل كلا من الأوس والخزرج يسرع إلى التعرف على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فجاء في موسم الحج نفر من ستة رجال ودعاهم صلى الله عليه وآله وسلم إلى الإسلام فآمنوا به صلى الله عليه وآله وسلم وقالوا : إنا تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم فعسى أن يجمعهم الله بك فسنقدم عليهم فندعوهم إلى أمرك ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعز منك.
وجاءوا في العام الذي يلي ذلك إلى موسم الحج وزادوا حتى صاروا اثنى عشر رجلا. وكانت المعاهدة ألا يشرك منهم أحد بالله وألا يسرق وألا يزني وألا يقتل أولاده وألا يأتي ببهتان يفتريه بين يديه ورجليه، ولا يعصى رسول الله في المعروف. وعادوا إلى المدينة ومعهم مصعب بن عمير يعلمهم القرآن. وفي العام الثالث جاء ثلاثة وسبعون رجلا وامرأتان هما نسيبة بنت كعب أم عمارة، وأسماء بنت عمرو بن عدي، كانت مبايعتهم لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وزاد من ذلك إرباك قريش، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولهم :
( أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم ) فأخذ البراء بن معرور بيده ثم قال : نعم والذي بعثك بالحق نبيا لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا فبايعنا يا رسول الله، فنحن والله أبناء الحرب وأهل الحلقة ( السلاح ) وتكلم أبو الهيثم بن التيهان فقال : يا رسول الله إن بيننا وبين الرجال حبالا وإنا قاطعوها – يعني اليهود – فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع على قومك وتدعنا ؟ فتبسم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم قال :( بل الدم الدم والهدم والهدم، أنا منكم وأنتم مني أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم ). وبسط يده صلى الله عليه وآله وسلم فبايعوه. وكانت بيعة العقبة ميثاقا يضمن لأهل البيعة الجنة إن أوفوا به. وقد أوفوا. هذا لون من العهود والمواثيق. وحين يخبرنا الحق هنا أنه أخذ من بني إسرائيل الميثاق، فمعنى ذلك أن هناك عهدا موثقا مؤكدا.
لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل وأرسلنا إليهم رسلا كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم فريقا كذبوا وفريقا يقتلون ( ٧٠ ) ( سورة المائدة ).
وقد أخذ الحق الميثاق وأرسل رسلا بالمنهج، لكنهم كلما جاء إليهم رسول تباحثوا : هل المنهج الذي جاء به على هواهم أولا ؟. فإن لم يكن المنهج على هواهم قتلوا الرسول أو كذبوه على الرغم من أن الميثاق عهد مؤكد باتباع الرسول إن جاء بمعجزة ومنهج بلاغا عن الله وتنفيذا له في حركة الحياة.
لكن بني إسرائيل كانوا يتمردون على مناهج الرسل لأنها لا تأتي بما تهواه أنفسهم وأول التمرد التكذيب. وهو أول خطوة في طريق الإخلال بالميثاق، ولم يكتفوا بالتكذيب، إنما حاولوا حصار الرسول حتى لا يصل المنهج إلى آذان تهتدي به. ولذلك لا يكتفون بالتكذيب بل قد يقتلون الرسول لأنه جاء بما لا تهوى أنفسهم.
ما هو الهوى أولا ؟. هو من مادة ( الهاء والواو والألف المقصورة التي ترسم ياء ) ونجدها منطوقة مرة هوى ومرة هواء. ومرة ( هوى ) بضم الهاء وكسر الواو وتشديد الياء، وكلها تدل على التغلغل والانحياز. والهوى هو لطف الشيء في النفس والميل إليه. فالشيء تستلطفه في نفسك فتنزع إليه نزوعا وقد يكون غير مستحب أو غير مقبول ولا مشروع.
وهل كل الهوى كذلك ؟. لا، لأن هناك هوى الإيمان الذي علمناه إياه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين يقول :( لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به )(١).
إذن فمن الممكن أن يتجه الهوى إلى الخير. وهو الهوى الذي يحمل النفس على أن يسير الإنسان تبعا للحق. أما الهواء فهو الذي يتنفسه الإنسان ويستخلص منه الأوكسجين ليغذي به الجسم وتسير به الحياة. ولذلك يقول الأثر : وأقبلت كالنفس المرتد.
إنه الإقبال الرقيق، فنحن نعرف أننا إن أكلنا شيئا نحبه فإننا نشعر بطعمه، وعندما نشرب شيئا نحبه فنحن نتذوق طعمه، أما التنفس فهو أمر لا إرادي فعندما نتنفس شيئا نحبه يكون إحساسا لطيفا.
وهناك نطق ثالث ويعبر عن السقوط، وهو الهوى من هوى يهوي – بالكسر للواو – ولذلك يقال : هوى الدلو، أي نزول الدلو إلى المياه التي في البئر. فأي نوع من الهوى تقصده الآية ؟.
يقول الحق : كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم فريقا كذبوا وفريقا يقتلون إذن فالهوى الذي يتحدث عنه هنا هو هوى النفس المجردة عن المنهج، وهو الذي يتحكم في حركة هذه النفس ويقودها إلى غير طاعة الله. وهل ترك الحق النفس الإنسانية دون عاصم لها ؟ لا ؛ لأنه أنزل الرسل تحمل منهجا ملخصه ( افعل ) و ( لا تفعل ). وهكذا يمكن أن يصير المنهج قيما على خواطر النفس.
لكن مادام الحق قد أراد أن يكون المنهج قيما على خواطر النفس، فلماذا أوجد النفس ؟ لقد أوجد سبحانه النفس لأن وجودها ينبني عليه أن يهوى إنسان الحق والحلال لاستبقاء النوع وتجويد العمل لحلال الرزق. إذن فالغريزة تكون موجودة وقد خلقها الله لمهمة، ولكنه يعصمها بالمنهج من الخروج عن مهمتها.
ويقول قائل : ما دام الله قد خلق غريزة الجنس..... فلماذا لا نتركها لتعبر عن نفسها ؟ ونقول له : اتق الله واعلم أن الغريزة الجنسية إنما جاءت لبقاء النوع، واستخدامها فيما يغضب الله فناء للنوع وانحراف يعاقب عليه المنهج.
وكذلك أوجد الحق غريزة حب الطعام ليقيم الإنسان حياته ولم يوجدها للقضاء على الحياة بالنهم والتخمة والشره. وكذلك غريزة حب الاستطلاع ليست موجودة للتجسس على الناس، ولكن هي لاستكشاف أسرار الكون واستنباط الجديد فيما ينفع الناس. إذن فكل غريزة إنما توجد من أجل مهمة، فإن خرجت عن مهمتها، فالشرع يتحكم ويقول : لا. إن هناك إطارا يمكن أن تستخدم فيه الغرائز، والشرع إنما يأتي لا ليمحو الغرائز، ولكن لعلي من الغرائز ليستعملها الإنسان فيما ينفع لا فيما يضر.
ويقال في المثل العربي :( آفة الرأي الهوى ) فإذا ما وقف اثنان أمام القاضي وأحدهما مظلوم والآخر ظالم فالقاضي العادل هو الذي يرفع الظلم عن المظلوم حتى وإن كان له الهوى مع الظالم. ولذلك نجد الحق قد عصم رسوله فقال : وما ينطق عن الهوى ( ٣ ) ( من الآية ٣ سورة النجم ).
والسطحيون هم الذين لا يلتفتون إلى عظمة هذا الأداء البياني ويتساءلون : ما دام الحق يصوب لمحمد فكيف إذن لا ينطق عن الهوى ؟ ونقول : أنتم لا تحسنون الفهم عن الله ولا عن رسول الله، فعندما صوب الله لرسوله لم يكن الرسول قد خرج عن حكم أراده الله، ولم يعدل حكما لله حسب هواه الشخصي، وإنما هو ببشريته صلى الله عليه وآله وسلم كان يصل إلى حكم ما يراه ثم ترى السماء تعديلا له، فينطق محمد بالتعديل كما أنزل الله. ولم يخالف صلى الله عليه وآله وسلم ربه في أي أمر. وجاء تصويب لله في أشياء لم يسبق فيها لله حكم، وكان كل تصويب قد جاء لاجتهاد بشري من رسول الله، ولم يكن في ذلك أي هوى.
وحين قال الحق : وما ينطق عن الهوى . إنما يبلغنا أنه لم يكن عند محمد حكم من الله فخالفه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم اتباعا لهوى، فمعنى الهوى أن يكون هناك منهج ثم يعدل عنه، وكل التصويبات التي صوبها الله جاءت في أمور لم يكن فيها حكم. ولهذا نجد تصويب الحق لرسول يتسم باللطف، فيقول سبحانه : عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين( ٤٣ )
( سورة التوبة ).
وهذا العفو لم يكن نتيجة لمخالفة حكم من أحكام السماء، ولكن هو عفو سمح، لأن رسول الله أخذ بالاجتهاد البشري في الأمور التي لم يكن فيها حكم الله، وهو قول الحق : يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك ( من الآية ١ سورة التحريم ).
وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد حرم أمورا على نفسه، ولم يحرمها على الناس، وهناك يوضح له الحق : لا تحرم على نفسك ما أحللت لك. إذن هذا أمر لمصلحة الرسول. وعندما جاء زيد بن حارثة ليخير بين أن يكون مع رسول الله كعبد له، وأن يكون مع أهله، آثر زيد رسول الله، فكافأه صلى الله عليه وآله وسلم بأن جعله في مقام الابن، وكان التبني معروفا عند العرب، ونادى الناس زيدا بزيد بن محمد، فلما أراد الله أن يبطل التبني قال : ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله .
وكلمة ( أقسط ) تعني أعدل، ومعناها أن القسط أيضا في دائرة العدل. وعندما يقال : فلان له القسط، أي له العدل. إذن فالقسط أولا لرسول الله، والأكثر قسطا هو حكم الله، فكأنك يا محمد قمت بالقسط عند البشر، ولكن الله يريد لك الأقسط.
إذن فقوله الحق سبحانه : وما ينطوي عن الهوى . هو قول لا يستدرك عليه من مخالف لمنهج الإسلام، فإذا ما قال مخالف لمنهج الإسلام : إن الله يصوب لمحمد، فكيف لا ينطق محمد عن الهوى ؟. نقول : وهل تعرف معنى الهوى ؟ إن الحكم بالهوى يعني أنه وجد حكما لله فيعدل الحكم لهواه، ولم يحدث ذلك من سيدنا ومولانا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وكل تصويب من الله لم يأت على لسان رجل آخر، إنما جاء على لسان رسول الله نفسه. وهذه هي منتهى الأمانة في البلاغ عن الله.
والحق يقول عن بني إسرائيل : كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم فريقا كذبوا وفريقا يقتلون إذن فهم فريقان : منهم من لا يقبل على الإيمان بالمنهج لهوى في نفسه فيكذب. ومنهم من تمتلئ نفسه باللدد وشدة الخصومة على الرسول، ويخشى أن يحيا الرسول لإبلاغ قوم آخرين، فيحاول أن يقتل الرسول.
والتكذيب هو أول نقطة في اللدد، ثم هناك من يترقى من اللدد ويخشى أن يصل البلاغ إلى قوم آخرين فيحاول أن يقتل الرسول. والتك

١ رواه البغوي في شرح السنة، والتبريزي في مشكاة المصابيح والمتقى الهندي في كنز العمال..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير