ﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀ

آمنوا والذين هادوا يُرحَمون على قول من قال هم مسلمون، ويعذبون على قول من قال هم كفار، فيحذف الخبر إذا عرف موضعه، كما حذف من قوله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ [فصلت: ٤١] (والمعنى: إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم) (١) يعذبون ويعرضون على ربهم، فحذف استغناء بمعرفة المخاطبين به. ثم يرتفع (الصابئون) بمن وما بعدها، ومن حرف جزاء يرتفع بما عاد إليه (من آمن) والفاء جواب الجزاء، وهذا القول قريب من قول البصريين، غير أنهم يضمرون خبر الابتداء، ويجعلون (من آمن) خبر (إن)، وهذا على العكس من ذلك؛ لأنه جعل (من آمن) خبرًا للابتداء وأضمر خبر (إن) (٢).
٧٠ - قوله تعالى: فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ، إن قيل: لم عطف المستقبل على الماضي؟، الجواب: ليدل على أن ذلك من شأنهم، ففيه معنى: كذبوا وقتلوا، ويكذبون ويقتلون، مع أن قوله: (يقتلون) فاصلة يجب أن يكون موافقًا لرؤوس الآي. ويمكن أن يقال التقدير فيه: فريقًا كذبوا لم يقتلوه، وفريقًا كذبوا يقتلون، فيكون (يقتلون) صفة للفريق، فلم يكن فيه عطف المستقبل على الماضي، وفي الجواب الأول لم يكن (كذبوا) ولا (يقتلون) صفة للفريق؛ لأن التقدير كذبوا فريقًا ويقتلون فريقًا، والفريق غير موصوف، وفي الجواب الثاني الفريق موصوف، وذكرنا تفسير الفريقين في البقرة عند قوله تعالى: فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ [البقرة: ٨٧].
٧١ - قوله تعالى: وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ، قال عطاء عن ابن

(١) ما بين القوسين متكرر في النسختين.
(٢) انظر: "البحر المحيط" ٣/ ٥٣١ - ٥٣٣.

صفحة رقم 476

عباس: "يريد وظنوا أن الله لا يعذبهم" (١).
وقال الكلبي: "أي ألا يُبْتَلَوا بقتلهم الأنبياء وتكذيبهم الرسل" (٢).
وقال قتادة: "وحسب القوم أن لا يكون بلاء" (٣).
وقال مقاتل: "وحسبوا أن لا يكون بلاءً، وقحط المطر" (٤)، فحصل في الفتنة ههنا: العقوبة والعذاب عن ابن عباس، والبلية عن الكلبي وقتادة، والشديدة والقحط عن مقاتل، وقال الزجاج: وحسبوا فعلهم غير فاتن لهم، وذلك أنهم كانوا يقولون نحن أبناء الله وأحباؤه (٥).
وقال ابن الأنباري: قدروا أن لا تقع بهم فتنة في الإصرار على الكفر، وظنوا أن ذلك لا يكون موبقًا لهم (٦).
واختلفوا في إعراب: (ألا تكون) فنصبه بعضهم، ورفعه آخرون، والأصل في هذا الباب أن تعرف أن الأفعال على ثلاثة أضرب:
فعل يدل على ثبات الشيء واستقراره، نحو: العلم والتيقن والتبين، فما كان مثل هذا وقع بعده (إنّ) الثقيلة ولم يقع بعده الخفيفة الناصبة للفعل، وذلك أن الثقيلة معناها ثبات الشيء واستقراره، والعلم كذلك أيضًا، فإذا وقع على الثقيلة واستعمل معه كان وفقه وملائمًا له، وذلك قوله تعالى: وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ [النور: ٢٥] أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ

(١) "تفسير الوسيط" ٢/ ٢١١، ونسبه المحقق إلى تفسير ابن عباس ص ٩٨.
(٢) انظر: "النكت والعيون" ٢/ ٥٥، "تفسير الوسيط" ٢/ ٢١١، "تفسير البغوي" ٣/ ٨٢، "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص ١٢٠.
(٣) أخرجه الطبري ٦/ ٣١٢.
(٤) تفسيره ١/ ٤٩٤.
(٥) "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ١٩٥.
(٦) انظر: "زاد المسير" ٢/ ٤٠١.

صفحة رقم 477

[التوبة: ١٠٤]، و أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى [العلق: ١٤] والباء زائدة (١)، وكذلك ما كان معناه العلم كالتبين والتيقن، وهذا ضرب.
والضرب الثاني: فعل يدل على خلاف الاستقرار والثبات نحو: أطمع وأخاف وأخشى وأشفق وأرجو، فهذا ونحوه لا يستعمل بعده إلا الخفيفة الناصبة للفعل، قال الله تعالى: وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي [الشعراء: ٨٢]، و تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ [الأنفال: ٢٦] فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا [الكهف: ٨٠] أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا [المجادلة: ١٣].
والضرب الثالث: فعل يجذب مرة إلى ذاك القبيل، ومرة إلى هذا القبيل، نحو: حسبت وظننت وزعمت، وهذا النحو يجعل مرة بمنزلة: أرجو وأطمع، من حيث كان أمرًا غير مستقر، ومرة يجعل بمنزلة العلم، من حيث استعمل استعماله، وفي هذه الآية أجري مجرى العلم، لأنهم عملوا عليما حسبوا، فكأنه أجري مجرى العلم، (ويمكن) (٢) أن يقال: إنما جعل بمنزلة العلم من حيث كان خلافه، والشيء قد يجري مجرى الخلاف في كلامهم، نحو: عطشان وريان، وكلا (٣) الأمرين قد جاء به القرآن، فمثل قول من نصب وأوقع بعده الخفيفة قوله تعالى: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا [العنكبوت: ٤] أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ [الجاثية: ٢١] أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا [العنكبوت: ٢]. ومثل قراءة من رفع: أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ [الزخرف: ٨٠] {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا

(١) سبق التنبيه أن مثل هذا التعبير غير لائق في جانب كلام الله عز وجل، لئلا يتوهم أن في القرآن زائدًا.
(٢) هذه الكلمة ساقطة من (ج).
(٣) في (ج): (وكلي).

صفحة رقم 478

نُمِدُّهُمْ} [المؤمنون: ٥٥] أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ [القيامة: ٣].
فهذه مخففة من الثقيلة، لأن الناصبة للفعل لا يقع بعدها (أن)، ومثل المذهبين في الظن قوله تعالى: تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا [القيامة: ٢٥] إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا [البقرة: ٢٣٠]. ومن الرفع قوله تعالى: وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ [الجن: ٥] وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا [الجن: ٧] فأنْ ههنا الخفيفة من الشديدة كقوله: عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ [المزمل: ٢٠] لأن (أن) الناصبة للفعل لا تجتمع مع (لن) ومع السين؛ لاجتماع الحرفين في الدلالة على الاستقبال، كما لا يجتمع الحرفان لمعنى واحد، فمن رفع قوله: (أن لا تكون) كان المعنى: أنَّه لا تكون، ثم خففت المشددة وجعلت (لا) عوضًا من حذف الضمير، ولو قلت: علمت أن يقول، بالرفع، لم يحسن حتى تأتي بما يكون عوضًا من حذف الضمير، نحو قد والسين وسوف، كما قال تعالى: عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ [المزمل: ٢٠] ووجه النصب ظاهر.
وقوله تعالى: فَعَمُوا وَصَمُّوا، أي عن الهدى فلم يعقلوه (١)، قال الزجاج: هذا مثل، تأويله أنهم لم يعملوا بما سمعوا ولا ما رأوا من الآيات، فصاروا كالعمي الصم (٢).
وقوله تعالى: ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، قال الحسن: "فاستنقذهم بمحمد فكذبوه" (٣).

(١) انظر: "تفسير الطبري" ٦/ ٣١٢، "بحر العلوم" ١/ ٤٥١، "النكت والعيون" ٢/ ٥٥، "تفسير البغوي" ٣/ ٨٢.
(٢) "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ١٩٥، انظر: "بحر العلوم" ١/ ٤٥١.
(٣) لم أقف عليه عن الحسن، انظر: "معاني القرآن" للنحاس ٢/ ٣٤١، "بحر العلوم" ١/ ٤٥١، "زاد المسير" ٢/ ٤٠١.

صفحة رقم 479

قال (١) أبو إسحاق: أي أرسل إليهم محمدًا - ﷺ - يعلمهم أن الله عز وجل قد تاب عليهم إن آمنوا وصدقوا (٢).
وقال أبو بكر: ثم تاب الله عليهم بإرساله محمدًا - ﷺ - داعياً إلى الصراط المستقيم، فكانوا بذلك معرضين للتوبة وإن لم يتوبوا.
وقوله تعالى: ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ، أي بعد تبيّن الحق لهم بمحمد - ﷺ - عمي كثير منهم، خص الله تعالى بعضهم بالفعل الآخر من العمى والصمم، إذ لم يكونوا أجمعوا على خلاف النبي - ﷺ - (٣)، وارتفع كَثِيرٌ مِنْهُمْ بإضمار فعل مقدر يدل عليه: عَمُوا وَصَمُّوا، كأنه قيل: عمي وصم كثير منهم. قاله الفراء (٤) وابن الأنباري. وأجازاهما والزجاج أيضًا أن يكون جمع الفعل متقدمًا، كما حكي عن العرب أكلوني البراغيث (٥).
وذكر الزجاج وجهين آخرين: أحدهما: أن يكون كَثِيرٌ مِنْهُمْ بدلاً من الواو، كأنه لما قال: عَمُوا وَصَمُّوا أبدل الكثير منهم، والثاني أن يكون كَثِيرٌ مِنْهُمْ خبر ابتداء محذوف، والمعنى: والعمي والصم كثير منهم (٦).
وقوله تعالى: وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ، أي: من قتل الأنبياء وتكذيب الرسل، قاله مقاتل (٧).

(١) في (ج): (فقال).
(٢) "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ١٩٥.
(٣) انظر: "النكت والعيون" ١/ ٤٧٨.
(٤) "معاني القرآن" ١/ ٣١٦.
(٥) انظر: "معاني القرآن" للفراء ١/ ٣١٦، "معاني الزجاج" ٢/ ١٩٥، ١٩٦.
(٦) "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ١٩٥، ١٩٦.
(٧) تفسيره ١/ ٤٩٤.

صفحة رقم 480

التفسير البسيط

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي

الناشر عمادة البحث العلمي - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
سنة النشر 1430
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية