ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠ

(وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (٨٤)
* * *
الاستفهام هنا إنكاري فيه معنى التعجب، وهو إنكار للوقوع، فهو بمعنى نفي أن يحدث منهم عدم الإيمان لأن موجب الإيمان قد وجد، وهو الإيمان لله تعالى جل جلاله، والحق الذي جاء إليهم وخوطبوا به، ولا يوجد أي مانع يمنعهم من الإيمان، فالسبب قد تحقق ولا مانع، والاستفهام بمعنى النفي، وهو داخل على نفي، ونفي النفي إثبات، فمعناه إصرار على الإيمان، وقوله تعالى: لا نؤمن بالله، حال مما دخل عليه النفي، وصاحب الحال هو: " نا ".
والكلام يومئ إلى أنه كان هناك اعتراض، وكان كلامهم للرد على هذا الاعتراض، والتاريخ يثبت أنه كان اعتراض على من آمنوا من هؤلاء النصارى، والمنطق النفسي للجماعات في قديمها وحديثها أن تستنكر من يغير دينه إلى دين الحق الذي ارتآه، وهؤلاء من الذي قال تعالى فيهم: (وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَن يؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ...). وقال فيهم سبحانه: (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣).
(وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ).

صفحة رقم 2329

وإن إيمانهم هذا وإذعانهم للحق في وسط إنكارهم لم يجعلهم يجزمون بالجزاء في الآخرة، بل كانوا حقا كصادقي الإيمان يطمعون لَا في الجزاء وحده بل يطمعون في أن يكونوا مع أهل الإيمان الذين يجمعهم الصلاح في الأعمال، ولذا قال سبحانه عنهم: (ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين). فهم لقوة إيمانهم يستصغرون ما عملوا، ويطمعون في أن يدخلهم ربهم الذي خلقهم وأنماهم، وكفلهم برحمته وعنايته أن يدخلوا في ضمن الذين اختارهم الله تعالى واصطفاهم، وهم قوم الله وحزبه، وهم الصالحون المصلحون، والمؤمن المخلص يستقل عمله بجوار أنعم الله تعالى عليه، فهو لَا يستكثر بتقواه، ولا يمن بعبادته، وليس حالهم كحال الذين يمنون على الله تعالى إذ قال تعالى: (يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لَا تَمنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ).
ولقد كان ما أعده الله تعالى أكثر مما طمعوا، وإذ أعد لهم جنات تجري من تحتها الأنهار، ولذا قال تعالى:
* * *

صفحة رقم 2330

زهرة التفاسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن أحمد بن مصطفى بن أحمد المعروف بأبي زهرة

الناشر دار الفكر العربي
عدد الأجزاء 10
التصنيف التفسير
اللغة العربية