ﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰ

قوله تعالى : فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُواْ [ المائدة : ٨٥ ].
وقرأ الحسن١ :" فآتاهُمُ اللَّهُ " : من آتاه كذا، أي : أعطاهُ، والقراءةُ الشهيرةُ أوْلَى ؛ لأنَّ الإثابةَ فيها مَنْبَهَةٌ على أنَّ ذلك لأجْلِ عملٍ ؛ بخلاف الإيتاء ؛ فإنه يكونُ على عملٍ وعلى غيره، وقوله تعالى :" جَنَّاتٍ " مفعولٌ ثانٍ ل " أثَابَهُمْ "، أو ل " آتَاهُمْ " على حسبِ القراءتَيْنِ. و تجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ في محلِّ نصبٍ صفةً ل " جَنَّاتٍ ". و " خَالِدِينَ " حالٌ مقدرةٌ.
فإن قيل : ظَاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ على أنَّهُم إنَّما اسْتَحَقُّوا ذلك الثَّوابَ بمُجَرَّدِ القوْلِ ؛ لأنَّهُ - تعالى - قال : فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُواْ جَنَّاتٍ ، وذَلِكَ غير مُمْكِن ؛ لأنَّ مُجَرَّدَ القَوْلِ لا يُفيدُ الثَّوَابَ.
فالجوابُ مِنْ وجهين :
الأوَّلُ : أنَّهُ قد سَبَقَ من وَصْفِهِم مَا يدلُّ على إخلاصِهِمْ فيما قالوا وهُو المعرفَةُ، وذلك قوله - تعالى - : مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ ، وكُلَّما حصلتِ المعْرِفَةُ والإخْلاصُ وكمَال الانْقِيَادِ، ثُمَّ انْضَافَ إليْه القَوْلُ، لا جَرَمَ كمل الإيمان.
الثاني : روى عطاءُ عن ابْن عبَّاس - رضي الله تعالى عنهما - أنَّه قال : قوله - تعالى - :" بِمَا قَالُوا " يُرِيدُ بما سَألُوا، يعني قولهُمْ :" فاكتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِين " ٢.

فصل


دَلَّتِ الآيَةُ على أنَّ المُؤمِنَ الفَاسِقَ لا يُخَلَّدُ في النَّارِ من وجْهَيْن :
أحدهما : أنَّهُ - تعالى - قال : وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ ، وهذا الإحْسَانُ لا بُدَّ وأنْ يكُونَ هُوَ الذي تقدَّم ذِكْرُه من المَعْرِفَةِ، وهُوَ قوله - تعالى - : مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ ، ومِنَ الإقْرَارِ به، وهو قولُهُ - تعالى - : فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُواْ ، وإذا كَانَ كَذَلِك فإمَّا أنْ يُقال : إنَّ هذه الآيَةُ دالَّةٌ على أنَّ المعرفة، وهُوَ إقرارٌ يوجِبُ هذا الثَّواب، وصاحبُ الكَبِيرَةِ لَهُ هذه المعْرِفَةُ وهذا الإقْرَارُ، فوجَبَ أن يَحْصُلَ لَهُ هذا الثَّوابُ، فإمَّا أنْ يُنقل من الجَنَّةِ إلى النَّارِ، وهذا بَاطِلٌ بالإجْمَاع، أو يُقَال : يُعاقَبُ على ذَنْبِهِ، ثمَّ يُنْقَلُ إلى الجَنَّةِ، وهُوَ المَطْلُوب.
الثاني : أنَّهُ - تعالى - قال : وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ، فقولُهُ تعالى : أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ يُفِيدُ الحصر، أي : أولَئِكَ أصْحَابُ الجحيمِ لا غَيْرهِم، والمُصَاحِبُ للشَّيءِ المُلازِم له الذي لا يَنْفَكُّ عَنْهُ، وهذا يقتضي تَخْصِيصُ الكُفَّارِ بالدَّوَام.
قوله تعالى :" وذَلِكَ جَزَاءُ " مبتدأ وخبرٌ، وأُشِيرَ ب " ذَلِكَ " إلى الثواب أو الإيتاء، و " المُحْسنين " يُحتمل أن يكون من باب إقامةِ الظاهرِ مُقامَ المضمرِ، والأصل :" وذَلِكَ جَزَاؤهُمْ "، وإنما ذُكِر وصفُهم الشريفُ مَنْبَهَةً على أن هذه الخَصْلَةَ محصِّلة جزائِهِمْ بالخَيْرِ، ويُحْتَمَلُ أن يرادَ كلُّ مُحْسِنٍ، فيندرجُون اندراجاً أوليًّا.
والمُرَادُ بالمُحْسِنينَ : المُوَحِّدين المُؤمِنِين.
١ ينظر: البحر المحيط ٤/٩، الدر المصون ٢/٥٩٨..
٢ ينظر: تفسير القرطبي (٦/١٦٧)..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية