ثم بين سبحانه ما جازاهم به على ذلك فقال : فأثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء المحسنين .
تفسير المفردات :
الإثابة : المجازاة، وقوله : بما قالوا، أي بما قالوه عن اعتقاد.
المعنى الجملي : بعد أن حاج سبحانه وتعالى أهل الكتاب، وذكر من مخازيهم أنهم اتخذوا الدين الإسلامي هزوا ولعبا، وأن اليهود منهم قالوا : يد الله مغلولة، وأنهم قتلوا رسلهم تارة وكذبوهم أخرى، وأن النصارى منهم اعتقدوا عقائد زائفة، فمنهم من قال المسيح ابن الله، ومنهم من قال إن الله ثالث ثلاثة، وقد عابهم على ذلك وكر عليهم بالحجة إثر الحجة لتفنيد ما كانوا يعتقدون.
ذكر هنا أحوالهم في عداوتهم للمؤمنين ومحبتهم لهم ومقدار تلك المحبة والعداوة، وبين حال المشركين مع المؤمنين بالتبع لهم.
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي قال : بعث النجاشي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم اثني عشر رجلا، سبعة قسيسين وخمسة رهبانا ينظرون إليه ويسألونه فلما لقوه وقرأ عليهم ما أنزل الله بكوا وآمنوا. وأنزل الله فيهم وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول الآية.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة يخاف على أصحابه من المشركين فبعث جعفر بن أبي طالب وابن مسعود وعثمان بن مظعون في رهط من أصحابه إلى النجاشي ملك الحبشة، فلما بلغ ذلك المشركين بعثوا عمرو بن العاص في رهط منهم ذكروا أنهم سبقوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي فقالوا : إنه خرج فينا رجل سفه عقول قريش وأحلامها، زعم أنه نبي وأنه بعث إليك رهطا ليفسدوا عليك قومك فأحببنا أن نأتيك ونخبرك خبرهم. قال : إن جاؤوني نظرت فيما يقولون، فلما قدم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتوا إلى باب النجاشي قالوا له : استأذن لأولياء الله، فقال : ائذن لهم فمرحبا بأولياء الله، فلما دخلوا عليه سلموا فقال لهم : ما يمنعكم أن تحيوني بتحيتي ؟ قالوا : إنا حييناك بتحية أهل الجنة وتحية الملائكة، فقال لهم : ما يقول صاحبكم في عيسى وأمه ؟ قالوا : يقول عبد الله ورسوله وكلمة من الله وروح منه ألقاها إلى مريم، ويقول في مريم إنها العذراء الطيبة البتول، قال : فأخذ عودا من الأرض فقال : ما زاد عيسى وأمه على ما قال صاحبكم هذا العود ـ أي مثله في صغره ـ فكره المشركون قوله، وتغيرت له وجوههم، فقال : هل تقرؤون شيئا مما أنزل عليكم ؟ قالوا : نعم قال : فاقرؤوا، فقرؤوا، وحوله القسيسون والرهبان وسائر النصارى، فجعلت طائفة من القسيسين والرهبان كلما قرؤوا آية انحدرت دموعهم مما عرفوا من الحق، وهذا ما أشار إليه بقوله : ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون * وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق .
الإيضاح : فأثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء المحسنين أي فجزاهم الله وأعطاهم من الثواب بما نطقت به ألسنتهم معبرا عما في قلوبهم من خالص الإيمان وصحيح الاعتقاد جنات وحدائق في دار النعيم تجري من تحت أشجارها الوارفة الظلال، الأنهار التي تسيل مياهها سلسبيلا، يخلدون فيها أبدا فلا يسلبها منهم أحد، ولا هم يرغبون عنها ويودون لو تركوها، ومثل هذا الجزاء قد أعده للذين أخلصوا في عقائدهم وأحسنوا أعمالهم.
وعلينا أن نقف في وصف نعيم الآخرة على ما جاء به القرآن الكريم وصحت به السنة النبوية، ولا نعدو ذلك إلى ما وراءه، فإن النعيم الروحاني والرضوان الإلهي لا يمكن أن يعبر عنه الكلام ولا يحيط به الوصف، فنحن في عالم يخالف ذلك العالم في أوصافه وخواصه، مهما أكثرنا من الوصف، فلا نصل إلى شيء مما أعده الله لهم هناك : فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون [ السجدة : ١٧ ].
وبعد أن بين سبحانه ما أعد لعباده المحسنين من عظيم الثواب جزاء صادق إيمانهم، ذكر جزاء المسيئين إلى أنفسهم بالكفران والتكذيب جريا على سنة القرآن في الجمع بين الوعد والوعيد قال : والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم .
تفسير المراغي
المراغي