قوله تعالى : مَّا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ لما قدَّم التَّرْغيبَ والتَّرْهيبَ بقوله : أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ، أتبعه بذِكْرِ التَّكْليفِ، فقال تعالى : مَّا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ يَعْنِي : أنَّهُ مُكَلَّفٌ بالتَّبليغِ، فلما بلَّغ خرجَ عن العُهْدَةِ، وبَقِيَ الأمْرُ من جانِبِنَا، وإذا عَلِمَ بما تُبْدُونَ وما تَكْتُمُونَ فإن خَالَفْتُمْ، فاعلموا أنَّ اللَّهَ شديدُ العقاب، وإنْ أطَعْتُمْ فاعلمُوا أنَّ اللَّه غفورٌ رحيمٌ.
قوله :" إلاَّ البلاغُ " : في رفعه وجهان :
أحدهما : أنه فاعلٌ بالجارِّ قبله ؛ لاعتماده على النفي، أي : ما استقرَّ على الرَّسُول إلا البلاغُ.
والثاني : أنه مبتدأ، وخبره الجارُّ قبله، وعلى التقديرين، فالاستثناء مفرَّغٌ.
والبلاغُ يُحْتَمَلُ أن يكون مصدراً [ ل " بَلَّغَ " مشدَّداً، أي : ما عليه إلا التبليغُ، فجاء على حذفِ الزوائدِ، ك " نَبَات " بعد " أنْبَتَ "، ويحتمل أن يكون مصدراً ] ل " بَلَغَ " مُخَفَّفاً بمعنى البُلُوغ، ويكون المعنى : ما عليه إلا البُلُوغُ بتبليغه، فالبلوغُ مُسْتلزمٌ للتبليغِ، فعبَّر باللاَّزمِ عن الملزوم.
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود