ﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛ

ويقول الحق من بعد ذلك : ما على الرسول إلا البلاغ والله يعلم ما تبدون وما تكتمون ( ٩٩ ) .
الرسول هم المبعوث من الرسل الحق سبحانه إلينا نحن العباد. والحق سبحانه هو الفاعل الأول، المطلق الذي لا فاعل يزاحمه، والمفعول الأول بالرسالة هو الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، والمفعول الثاني هو نحن. وهناك في النحو المفعول معه، وهناك أيضا المفعول له، المفعول فيه، والمفعول به، وأيضا يوجد المفعول إليه والمثال على المفعول إليه قوله تعالى :
تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فزين لهم الشيطان أعمالهم ( من الآية ٦٣ سورة النحل )
وفيه أيضا المفعول منه. والمثال على المفعول منه هو قوله الحق :
وأختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا ( من الآية ١٥٥ سورة الأعراف )
وفي ( قومه ) هي مفعول منه. لأنه اختار من قومه سبعين رجلا ممن لم يعبدوا العجل ليعتذروا عمن عبد العجل ويسألوا الله أن يكشف عنهم البلاء.
إن مهمة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم هي البلاغ ( ما على الرسول إلا البلاغ )، أما تنفيذ البلاغ فهو دور المؤمنين برسالة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فإن أدوها فلهم الجنة، وإن لم يؤدوها فعليهم العقاب. وأراد الحق أن يكون البلاغ من رسوله مصحوبا بالأسوة السلوكية منه صلى الله عليه وآله وسلم، فالرسول يبلغ وينفذ أمامنا ما بلغ به حتى نتبعه، ولذلك قال الحق :
لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ( من الآية ٢١ سورة الأحزاب )
وهذا ما ينقض ادعاء الألوهية لبشر. فلو كان هناك إله رسول لقال الناس : كيف نتبع هذا الرسول وله من الصفات والخصائص ما يختلف عنا نحن البشر ؟ إن الرسول لا يستقيم ولا يصح أن يكون إلها لأنه هو الأسوة والقدوة للمرسل إليهم. إنه يصلي ويصوم ويزكي ويحج ويفع غير ذلك من الأفعال، ويأمر من أرسل إليهم أن يتبعوه فيما يفعل، فلو كان إلها فإن المرسل إليهم – وهم البشر – لا يقدرون على أن يفعلوا مثل ما يفعل ؛ لأنه إله وطبيعته تختلف عن طبيعتهم ولذلك لا يستطيعون التأسي والاقتداء به، فالأسوة لا تتأتي إلا إذا كان الرسول من جنس المرسل إليهم... أ ي يكون بشرا بكل أغيار البشر.
والحق سبحانه قال :
وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا ( ٩٤ ) ( سورة الإسراء )
أي أن البشر تساءلوا – جهلا – عما يمنع الله – سبحانه – أن يرسل لهم رسولا من غير جنس البشر، ولماذا أرسل لهم رسولا من جنسهم البشري ؟ وهنا يأتي الأمر من الله سبحانه :
قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا ( ٩٥ ) ( سورة الإسراء ).
وبهذا يبلغ الحق رسله ضرورة إبلاغ الناس أن الرسول لهم لابد من أن يكون من جنس البشر ؛ لأن الملائكة لا يمشون مطمئنين في الأرض، ولو جاء الرسل من الملائكة لقال البشر : لن نستطيع اتباع ما جاء به الملائكة لأنهم لا يصلحون أسوة لنا ؛ لأنهم من جنس آخر غير جنس البشر، ثم إن الملائكة من خلق الغيب، فكيف يبعث الله للبشر هذا الغيب ليكون رسولا ؟ ولو حدث ذلك فلا بد أن يجعله الحق في صورة بشرية.
ففي آية أخرى يقول الحق :
ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون ( ٩ ) ( سورة الأنعام )
إنهم طلبوا أن ينزل الله عليهم ملكا، ولو استجاب الله لهم وأرسل رسوله ملكا لتجسد الملك في صورة بشرية، وهم من بعد ذلك قد يستمرون على الكفر يعاندون ولا يؤمنون، عندئذ يحق عليهم عذاب الله يهلكهم. إذن فمهمة الرسول هي البلاغ ولنا فيه الأسوة.
وتتابع الآية : والله يعلم ما تبدون وما تكتمون كأنه سبحانه وتعالى يحذرنا من أن نأخذ شكل الإيمان دون أن نؤمن حقيقة ؛ لأن الأمر الشكلي قد يجوز على أجناس البشر أن ينخدعوا فيه، ولكن ينظر إلينا بقيوميته، فسبحانه لا تأخذه سنة ولا نوم. وفي هذا القول تحد للمنافقين من أنه سبحانه سيحاسبهم، فإن كتم الإنسان الكفر في قلبه وأظهر الإيمان الشكلي، فسوف ينال عقاب الله، وعلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ومعه جماعة المؤمنين أن يحكموا على ظاهر الأمر وأن يتركوا السرائر لله.
إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ينهانا عن أن نحكم بكفر إنسان أعلن الإيمان ولو نفاقا. وقد أبلغنا صلى الله عليه وآله وسلم أنه بشر، وعرف أن البشرية محدودة القدرة. ولذلك قال :( إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار ليأخذها أو ليتركها )١.
هكذا يحذرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن نظن فيه قدرة فوق قدرة البشر وعندما قتل صحابي رجلا أعلن الإيمان قال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :( هلا شققت عن بطنه فعلمت ما في قلبه )٢ إذن فنحن لنا الظاهر، أما السرائر فأمرها موكول إلى الله. ولذلك يقول الله : والله يعلم ما تبدون وما تكتمون . ونعلم أن ظاهرة النفاق تعطي للمنافق حقوق المسلم الظاهرة الموقوتة بحياته وزمنه، ولكن الباقي في الحياة الأخرى طويل ينال فيه جزاء ما أبطن من كفر. والكتمان غير الإخفاء.
فكتم الشيء يعني أن الشيء ظاهر الوضوح ولكن صاحبه يكتمه، أما الإخفاء فهو ما يدور بالخواطر، ويمكن أن يخفيه الإنسان، ولكنه مع مرور الوقت لا يستطيع ذلك، فالشاعر العربي يقول :

ومهما تكن عند امرئ من خليقة إن خالها، تخفى على الناس تعلم
ويقال : يكاد المريب أن يقول خذوني.
١ رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه..
٢ رواه مسلم وأبو داود وابن ماجه وأحمد..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير