المعنى الجملي : بعد أن أرشدنا في الآية السابقة إلى بعض آيات علمه في خلقه التي بها جعل البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد ـ نبهنا في هذه إلى أن العليم بكل شيء لا يمكن أن يترك الناس سدى، فهو لم يخلقهم عبثا ـ ومن ثم لا يليق بحكمته وعدله أن يجعل الذين اجترحوا السيئات كالذين آمنوا وعملوا الصالحات، ولا أن يسوّى بين الطيب والخبيث فيجعل البر كالفاجر والمصلح كالمفسد، بل لا بد من الجزاء بالحق، لذلك جاءت هذه الآيات ترغيبا لعباده وترهيبا لهم، ووعدا ووعيدا.
وبعد أن أبان سبحانه أن الجزاء بيد الله العليم بكل شيء، ذكر وظيفة الرسول فقال : ما على الرسول إلا البلاغ والله يعلم ما تبدون وما تكتمون .
الإيضاح : ما على الرسول إلا البلاغ والله يعلم ما تبدون وما تكتمون أي ليس على رسولنا الذي أرسلناه إليكم بالإنذار بالعقاب بين يدي عذاب شديد، والإعذار إليكم بما يقطع حججكم إلا أن يؤدي الرسالة ثم إلينا الثواب على الطاعة، وعلينا العقاب على المعصية، ولا يخفى علينا المطيع لأوامرنا، والعاصي التارك للعمل بها، إذ لا يغيب عنه شيء من ضمائر الصدور وظواهر أعمال النفوس، فخليق بكم أن تتقوني ولا تعصوا أمري.
وفي هذا وعيد شديد وتهديد لمن يخالف أوامر الله ويعصيه. كما أن فيه إبطالا لما عليه أهل الشرك والضلال من الخوف من معبوداتهم الباطلة والتماس الخلاص والنجاة من العذاب بشفاعتها.
والخلاصة : إن الرسول ليس عليه إلا البلاغ لدين الله وشرعه، وبعدئذ يكون المبلغون هم المسؤولين عند الله، والله الذي يعلم ما يبدون وما يكتمون من العقائد والأقوال والأفعال، وهو الذي يجازيهم بحسب علمه المحيط بكل ذرة في الأرض والسماوات، ويكون جزاؤه حقا وعدلا ويزيد بعد ذلك من إحسانه عليه وفضله، فاطلبوا سعادتكم من أنفسكم وخافوا منها عليها.
وما ورد من الشفاعة في الآخرة فهو دعاء من النبي صلى الله عليه وسلم يستجيبه الله فيظهر عقبه ما سبق به علمه واقتضته حكمته بحسب ما جاء في كتابه، دون أن يكون مؤثرا في علم الله ولا في إرادته، فالحادث لا يؤثر في القديم.
تفسير المراغي
المراغي