ثم ذكر اليوم الذي يظهر الوعد والوعيد، فقال :
يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأَتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ * وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَّنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ * ادْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ ذَلِكَ يَوْمُ الُخُلُودِ * لَهُم مَّا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ .
يقول الحق جلّ جلاله : واذكر يوم يقول١ لجهنم هل امتلأتِ ؟ وقرأ غير نافع وشعبة : بنون العظمة. فالعامل في الظرف : اذكر أو :" بظلاّم " أو محذوف مؤخر، أي : يكون من الأحوال والأهوال ما يقصر عنه المقال، وتقول هل من مزيد ؟ أي : من زيادة، مصدر كالمجيد، أو : مفعول، كالمنيع، أي : هل بقي ما يزاد، يعني : أنها مع اتساعها وتباعد أقطارها يُطرح فيها الناس والجِنة فوجاً بعد فوج حتى تملأ وتقول بعد امتلائها : هل من مزيد أي : هل بقي فيَّ موضع لم يمتلئ ؟ ! يعني : قد امتلأت. أو : أنها من السعة يدخل مَن يدخلها ولم تمتلئ فتطلب المزيد، وهذا أولى٢.
قال ابن جزي : واختلف هل تتكلم جهنم حقيقة، أو مجازاً بلسان الحال، والأظهر : أنه حقيقة، وذلك على الله يسير، ومعنى قولها : هل من مزيد : أنها تطلب الزيادة، وكانت لم تمتلئ، وقيل : معناه : لا مزيد، أي : ليس عندي موضع للزيادة، فهي على هذا قد امتلأت، والأول أرجح، لما ورد في الحديث :" لا تزال جهنم يُلقى فيها وتقول : هل من مزيد ؟ حتى يضعَ الجبارُ فيها قدمه، فتنزوي، وتقول : قَطْ قَطْ " ٣ وفي هذا الحديث كلام ليس هذا موضعه. ه.
قال في الحاشية : ووضع القدم مَثَلٌ للردع والقمع، أي : يأتيها أمر يكفها عن طلب المزيد. وقال ابن حجر : واختلف في المراد بالقدم، فطريق السلف في هذا وغيره مشهورة. ثم قال : وقال كثير من أهل العلم بتأويل ذلك، فقيل : المراد إذلال جهنم، فإنها إذا بلغت في الطغيان، وطلبت المزيد، أذلّها الله، كوضعها تحت القدم، وليس المراد حقيقة القدم، والعرب تستعمل ألفاظ الأعضاء ظرفاً للأمثال، ولا تريد أعيانها كقولهم : رغم أنفه، وسقط في يده. ه. قلت : مَن دخل بحار الأحدية لم يصعب عليه حلّ أمثال هذه الشُبّه، فإن تجليات الحق لا تنحصر، فيتجلّى سبحانه كيف شاء، وبما شاء، ولا حضر ولا تحييز، ولا يفهم هذه إلا أهل الفناء والبقاء بصحبة الرجال.
واعلم أن الروح إذا عشقت شيئاً فإن كان من الدنيا يُسمى حرصاً، وإن كان في جانب الحق سُمي محبة وشوقاً، وفي الحقيقة ما هي إلا محبة واحدة، إلا أنها لما تاهت انقلبت محبتها للفروقات الحسية، وغابت عن المعاني الأزلية، وكلما زاد في الحرص نقص في المحبة، وما نقص من الحرص زاد في المحبة. ويقال : كلما زادت محبة الحس نقصت المعنى، وبالعكس، وإذا اشتعلت نار المحبة فلا تسكن بما يلقى فيها من الأمور الحسية، كانت حظوظاً أو حقوقاً، بل كلما ألقي فيها تقول : هل من مزيد، حتى يضع الجبار قدمه، وهو قذف نور معرفته في القلب، فحينئذ يحصل الفناء وتقول : قط قط.
ثم أخبر عن حال المؤمنين بقوله : وأُزلفت الجنة للمتقين أي : قربت جنة المعارف إلى قلوب خواص المتقين، الذين اتقوا ما سوى الله، فقربت منهم، ودَخَلوها في الدنيا، فإذا كان يوم القيامة قربت إليهم الجنة الحسية في المحشر، فيركبون في قصورها وغرفها، وتطير بهم إلى الجنة، فلا يسحون بالصراط ولا بالنار، وفيهم قال تعالى :
لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا [ الأنبياء : ١٠٢ ] والناس على ثلاثة أصناف : قوم يُحشرون إلى الجنة مشاة، وهم الذين قال الله فيهم : وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً [ الزمر : ٧٣ ] وهم عوام المؤمنين، وقوم يُحشرون إلى الجنة ركباناً على طاعتهم، المصورة لهم على صورة المراكب، وهؤلاء الخواص من العباد والزهّاد والعلماء والصالحين، وأما خواص الخواص، وهم العارفون ومَن تعلق بهم، فهم الذين قال الله فيهم : وأزلفت الجنة للمتقين تُقرب منهم، فيركبون فيها، ويسرحون إلى الجنة. انظر القشيري.
وقوله تعالى : هذا ما توعدون الإشارة إلى مقعد صدق، ولو كان إلى الجنة لقال " هذه ". قال القشيري. ثم وصف أهل هذا المقام بقوله : لكل أواب حفيظ أي : راجع إلى الله في جميع أموره، لا يعرف غيره، ولا يلتجئ إلا إليه، حفيظ لأنفاسه مع الله، لا يصرفها إلا في طلب الله، مَنْ خَشِيَ الرحمانَ بالغيب، أي : بنور الغيب يشاهد شواهد الحق، فيخشى بُعده أو حجبه. قال القشيري : والخشية تكون مقرونة بالأُنس، ولذلك لم يقل : مَن خشي الجبار. ثم قال : والخشية من الرحمان خشية الفراق، ويقال : هو مقتضى علمه بأنه يفعل ما يشاء، لا يُسأل عما يفعل، ويقال : الخشية ألطف من الخوف، فكأنها قريبة من الهيبة. هـ وجاء بقلب منيب مقبل على الله بكليته، معرض عما سواه، ادخلوها جنة المعارف بسلام من العيوب، آمنين من السلب والرجوع، وهذا قوله ذلك يوم الخلود فيها، لهم ما يشاؤون من فنون المكاشفات، ولذيذ المشاهدات، ولدينا مزيد، زيادة ترقي أبداً سرمداً، جعلنا الله من هذا القبيل في الرعيل الأول، آمين.
٢ في هامش النسخة الأم ما يلي: بل هذا هو الواجب، وما قبله باطل بداهة ونصا عن الرسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان الواجب عدم ذكر القول الباطل المقطوع ببطلانه، لاسيما مع عدم رده والمبالغة في إبطاله، ففي الحديث الصحيح: "أنها لا تزال تطلب المزيد حتى يضع الجبار فيها قدمه فتقول: قط قط". هـ..
٣ أخرجه البخاري في الأيمان حديث ٦٦٦١، ومسلم في صفة الجنة حديث ٣٧..
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي