ﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿ

لَوْ كَانَ غَيْرَ مَنْفِيٍّ لَكَانَ ظُلْمًا شَدِيدًا فَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ أُخِذَ الْجَانِي قَبْلَ أَنْ يَعْرِفَ أَنَّ عَمَلَهُ جِنَايَةٌ
لَكَانَتْ مُؤَاخَذَتُهُ بِهَا ظُلْمًا شَدِيدًا. وَلَعَلَّ صَاحِبَ «الْكَشَّافِ» يَرْمِي إِلَى مَذْهَبِهِ مِنِ اسْتِوَاءِ السَّيِّئَاتِ، وَالتَّعْبِيرُ بِالْعَبِيدِ دُونَ التَّعْبِيرِ بِالنَّاسِ وَنَحْوِهِ لِزِيَادَةِ تَقْرِيرِ مَعْنَى الظُّلْمِ فِي نُفُوسِ الْأُمَّةِ، أَيْ لَا أَظْلِمُ وَلَوْ كَانَ الْمَظْلُومُ عَبْدِي فَإِذَا كَانَ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ الْعِبَادَ قَدْ جَعَلَ مُؤَاخَذَةَ مَنْ لَمْ يَسْبِقْ لَهُ تَشْرِيعٌ ظُلْمًا فَمَا بَالَكَ بِمُؤَاخَذَةِ النَّاسِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا بِالتَّبِعَاتِ دُونَ تَقَدُّمٍ إِلَيْهِمْ بِالنَّهْيِ مِنْ قَبْلُ، وَلِذَلِكَ يُقَالُ: لَا عُقُوبَةَ إِلَّا عَلَى عَمَلٍ فِيهِ قَانُونٌ سَابِقٌ قبل فعله.
[٣٠]
[سُورَة ق (٥٠) : آيَة ٣٠]
يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (٣٠)
ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِ قالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ [ق: ٢٨]. وَالتَّقْدِيرُ: قَالَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ الْقَوْلِ يَوْمَ يَقُولُ قَوْلًا آخَرَ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ. ومناسبته تَعْلِيقِهِ بِهِ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ لِجَهَنَّمَ مَقْصُودٌ بِهِ تَرْوِيعُ الْمَدْفُوعِينَ إِلَى جَهَنَّمَ أَنْ لَا يَطْمَعُوا فِي أَنَّ كَثْرَتَهُمْ يَضِيقُ بِهَا سَعَةُ جَهَنَّمَ فَيَطْمَعُ بَعْضُهُمْ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ لَا يُوجَدُ لَهُ مَكَانٌ فِيهَا، فَحَكَاهُ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ عِبْرَةً لِمَنْ يَسْمَعُهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَتَعْلِيمًا لِأَهْلِ الْقُرْآنِ الْمُؤْمِنِينَ وَلِذَلِكَ اسْتَوَتْ قِرَاءَةُ يَقُولُ بِالْيَاءِ، وَهِيَ لِنَافِعٍ وَأَبِي بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ جَرْيًا عَلَى مُقْتَضَى ظَاهِرِ مَا سَبَقَهُ مِنْ قَوْلِهِ: قالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ. وَقِرَاءَةُ الْبَاقِينَ بِالنُّونِ عَلَى الِالْتِفَاتِ بَلْ هُوَ الْتِفَاتٌ تَابِعٌ لِتَبْدِيلِ طَرِيقِ الْإِخْبَارِ مِنَ الْحَدِيثِ عَنْ غَائِبٍ إِلَى خِطَابِ حَاضِرٍ.
وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ حَقِيقِيٌّ وَهُوَ كَلَامٌ يَصْدُرُ مِنْ جَانِبِ اللَّهِ بِمَحْضِ خَلْقِهِ دُونَ وَاسِطَةٍ.
فَلِذَلِكَ أُسْنِدَ إِلَى اللَّهِ كَمَا يُقَالُ الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ.
وَالِاسْتِفْهَامُ فِي هَلِ امْتَلَأْتِ مُسْتَعْمَلٌ فِي تَنْبِيهِ أَهْلِ الْعَذَابِ إِلَى هَذَا السُّؤَالِ عَلَى وَجْهِ التَّعْرِيضِ.
وَأَمَّا الْقَوْلُ لِجَهَنَّمَ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَقِيقَةً بِأَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ فِي أَصْوَاتِ لَهِيبِهَا أَصْوَاتًا ذَاتَ حُرُوفٍ يَلْتَئِمُ مِنْهَا كَلَامٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَجَازًا عَنْ دَلَالَةِ حَالِهَا عَلَى أَنَّهَا

صفحة رقم 317

تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

محمد الطاهر بن عاشور

الناشر الدار التونسية للنشر
سنة النشر 1403
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية