على الحال، والعامل فيه ما يقدر مع الجار في خبر إن؛ لأن المعنى: يستقرون في جنات (١).
ثم أثنى عليهم فقال: إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ يعني في الدنيا. قال مقاتل: كانوا قبل ذلك الثواب محسنين في أعمالهم (٢).
١٧ - ثم ذكر إحسانهم فقال: كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ والهجع معناه النوم بالليل دون النهار، ومنه يقال: لقيته بعد هجعة. أي بعد نومه من الليل (٣). وكثر الاختلاف في تقدير هذه الآية. وتفسيرها أن (ما) صلة والمعني كانوا يهجعون قليلاً من الليل. أي: لا ينامون بالليل كله ولا كثيره، بل يصلون أكثر الليل (٤). وعلى هذا التأويل قال عطاء (٥): ذاك إذا أمروا بقيام الليل، فكان أبو ذر يأخذ العصا ويعتمد عليها حتى نزلت الرخصة (٦). ويجوز على هذا التأويل معنى آخر، وهو أن يكون الليل اسم الجنس، والمعنى الذي ينامون فيه قليلاً. وهو معنى قول ابن عباس في رواية سعيد بن جبير قال: كانوا قل ليلة تمر بهم الأصلوا فيها (٧).
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" ١٢٦ ب، "الوسيط" ٤/ ١٧٥.
(٣) انظر: "تهذيب اللغة" ١/ ١٢٩، "اللسان" ٣/ ٧٧٤ (هجع).
(٤) انظر: "معاني القرآن" للفراء ٣/ ٨٤، "معاني القرآن" للزجاج ٥/ ٥٣.
(٥) في (ك): (وعلى هذا التأويل قال عطاء) مكررة.
(٦) انظر: "المصنف" لابن أبي شيبة ٢/ ٢٣٨، "الجامع لأحكام القرآن" ١٧/ ٣٦، "الدر" ٦/ ١١٣، ونسب تخريجه لابن أبي شيبة وابن المنذر وابن نصر.
(٧) انظر: "جامع البيان" ٢٦/ ١٢٢، "الوسيط" ٤/ ١٧٥، "تفسير القرآن العظيم" ٤/ ٢٣٣، "المستدرك" ٢/ ٤٦٧ وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
وقال مطرف بن الشِّخِّير: قل ليلة أتت عليهم هجعوها كلها (١).
وقال مجاهد: كانوا لا ينامون كل الليل (٢). ووجه آخر وهو الوقف علي قوله: (قَلِيلاً) ثم ابتدأ فقال: مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وهذا على نفي النوم عنهم البتة. وهو قول مقاتل والضحاك قالا: كانوا قليلاً (٣). وعلى هذا القول عطاء عن ابن عباس: المراد بهؤلاء القليل ثمانون من نصارى نجران والشام. آمنوا بمحمد -صلى الله عليه وسلم- وصدقوه فذكرهم الله في غير موضع من القرآن (٤). وذكر وجهان آخران.
أحدهما: أن مَا في هذه الآية ما المصدر، ويكون التقدير: كانوا قليلاً من الليل هجوعهم. وهذا الوجه ذكره أبو إسحاق والفراء، وكذلك الوجه الأول (٥). واختاره يعقوب ووقف على قوله: قَلِيلًا (٦).
(٢) انظر: "تفسير مجاهد" ٢/ ٦١٧، "جامع البيان" ٢٦/ ١٢٢، "تفسير القرآن العظيم" ٤/ ٢٣٣، "المصنف" ١٣/ ٥٦٨.
(٣) انظر: "جامع البيان" ٢٦/ ١٢٣، "المصنف" ٢/ ٢٣٩، "الوسيط" ٤/ ١٧٥، "التفسير الكبير" ٢٨/ ٢٠٢، وفي "تفسير مقاتل" ١٢٦ ب قال بقلة نومهم، والله أعلم. وهذا القول رده بعض العلماء لما فيه من تفكيك للنظم، وتقدم معمول العامل المنفي بـ (ما) على عامله لا يجوز عند البصريين. انظر: "الكشاف" ٤/ ٢٨، "البحر المحيط" ٨/ ١٣٥، "فتح القدير" ٥/ ٨٤.
(٤) انظر: "الوسيط" ٤/ ١٧٥.
(٥) انظر: "معاني القرآن" للفراء ٣/ ٨٤، "معاني القرآن" للزجاج ٥/ ٥٣.
(٦) انظر: "الجامع لأحكام القرآن" ١٧/ ٣٦، وما ذكره القرطبي هو نقل يعقوب له لا اختياره. ثم قال: قال ابن الأنباري: وهذا فاسد؛ لأن الآية إنما تدل على قلة نومهم، لا على قلة عددهم. قلت: مراد المؤلف - رحمه الله أن يعقوب اختار =
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي