ﯫﯬﯭﯮﯯﯰ

فَرَاغَ إِلى أهله أي : ذهب إليهم في خِفيةٍ من ضيوفه، فالروغان : الذهاب بسرعة، وقيل : في خفية. ومن آداب المضيف أن يبادر الضيف : بالقِرَى، وأن يخفى أمره من غير أن يشعر به الضيف، حذراً من أن يكفّه، وكان عامة مال إبراهيم البقر. فجاء بعِجْلٍ سمينٍ الفاء فصيحة تُفصح عن جُملٍ حّذفت لدلالة الحال عليها، وإيذاناً بكمال سرعة المجيء، أي : فذبح عجلاً فَحَنَذَه، فجاء به.
فقرَّبه إِليهم بأن وضعه بين أيديهم حسبما هو المعتاد، فلم يأكلوا، فـ قال ألا تأكلونَ أنكر عليهم ترك الأكل، أو : حثَّهم عليه.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : الإشارة بإبراهيم إلى القلب، وأضيافه : تجليات الحق، فنقول حينئذ : هل بلغك حديث إبراهيم القلب، حين يدخل عليه أنوار التجليات، مُسلِّمة عليه، فيُنكرها أول مرة، حيث لم يألف إلا رؤية حس الكائنات، فراغ إلى أهله : عوالمه، فجاء بعِجْل سمينٍ : النفس أو السِّوى، فقربّه إليهم، بذلاً لها في مرضاة الله، فقال : ألا تأكلون منها، لتذهب عني شوكتها ؛ إذ لا تثبت أنوار الشهود إلا بعد محق النفس وموتها، فأوجس منهم خيفة ؛ لأن صدمات التجلي تدهش الألباب، إلا مَن ثبته الله، قالوا : لا تخف، أي : لا تكن خوَّافاً، إذ لا ينال هذا السر إلا الشجعان، كما قال الجيلاني :

وإِيَّاكَ حَزْماً لا يَهُولُكَ أَمْرُها فَمَا نَالَهَا إلا الشُّجَاعُ المُقَارعُ
وبشَّروه بغلامٍ عليم وهو نتيجة المعرفة، من اليقين الكبير، والطمأنينة العظمى، فأقبلت النفس تصيح، وتقول : أألد هذا الغلام، من هذا القلب، وقد كبر على ضعف اليقين، وأنا عجوز، شِخْتُ في العوائد، عقيم من علوم الأسرار ؟ ! فتقول القدرة : كذلك قال ربك هو عليَّ هيِّن، أتعجبين من قدرة الله، " مَن استغرب أن يُنقذه الله من شهوته، وأن يُخرجه من وجود غفلته، فقد استعجز القدرة الإلهية، وكان الله على كل شيء مقتدراً " إنه هو الحكيم في ترتيب الفتح على كسب المجاهدة، العليم بوقت الفتح، وبمَن يستحقه. قال إبراهيم القلب أو الروح : فما خطبكم أيها التجليات، أو الواردات الإلهية، قالوا إنا أُرسلنا إلى قوم مجرمين وهم جند النفس، لنُرسل عليهم حجارة من طين ، مسومةً عند ربك للمسرفين، وهم الأذكار والأوراد والمجاهدات والرياضات والمعاملات المهلِكة للنفس وأوصافها، فأخرجنا مَن كان فيها من المؤمنين ، سالمين من الهلاك، وهو ما كان لها من الأوصاف الحميدة، والعلوم الرسمية، إذا لا تُخرِج المجاهدة إلا مَن كان مذموماً، فما وجدنا فيها من ذلك إلا النذر القليل ؛ إذ معاملة النفس جُلها مدخولة، وتركنا فيها آيةً من تزكية النفس، وتهذيب أخلاقها، للذين يخافون العذاب الأليم ، فيشتغلون بتزكيتها ؛ لئلا يلحقهم ذلك العذاب.

فقرَّبه إِليهم بأن وضعه بين أيديهم حسبما هو المعتاد، فلم يأكلوا، فـ قال ألا تأكلونَ أنكر عليهم ترك الأكل، أو : حثَّهم عليه.

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير