ﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤ

المعنى الجملي : أقسم سبحانه بمخلوقاته العظيمة، الدالة على كمال قدرته، وبديع صنعته، وعد منها أماكن ثلاثة : الطور، والبيت المعمور، والبحر المسجور - لأنبياء ثلاثة كانوا ينفردون للخلوة بربهم، والخلاص من الخلق لمناجاة الخالق، فانتقل موسى إلى الطور وخاطب ربه وقال : أتهلكنا بما فعل السفهاء منا ( الأعراف : ١٥٥ )وقال : رب أرني أنظر إليك ( الأعراف : ١٤٣ ) وانتقل محمد إلى البيت المعمور وناجى ربه وقال :( سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك )، وكلم يونس ربه في البحر وقال : لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ( الأنبياء : ٨٧ ).
وقرن الكتاب بالطور لأن موسى كان ينزل عليه الكتاب وهو به، وقرن السقف المرفوع بالبيت المعمور ليعلم عظمة شأن محمد صلى الله عليه وسلم، وأقسم بكل هذا على أن العذاب يوم القيامة نازل بأعدائه الذين يخوضون في الباطل ويتخذون الدين هزوا ولعبا، فيدفعون إلى النار دفعا عنيفا ويقال لهم : هذه هي النار التي كنتم بها تكذبون، ادخلوها وقاسوا شدائدها، وسواء عليكم أجزعتم أم صبرتم ما لكم منها مهرب ولا خلاص.
الإيضاح : اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم أي إذا لم يمكنكم إنكارها، وتحقق أنها ليست بسحر، ولا خلل في أبصاركم فاصلوها، وفي قوله : فاصبروا أو لا تصبروا بيان لعدم الخلاص، وانتفاء لعدم المناص ؛ فإن من لا يصبر على شيء يحاول دفعه عنه، إما بإبعاده عنه، وإما بمحقه وإزالته ؛ ولا شيء من ذلك بحاصل يوم القيامة – إلا أن عذاب الآخرة ليس كعذاب الدنيا، فإن المعذب فيها إن صبر انتفع بصبره إما بالجزاء في الآخرة وإما بالحمد في الدنيا فيقال ما أشجعه، وما أقوى قلبه، وإن جزع ذم وقيل فيه يجزع كالصبيان والنسوان، وأما في الآخرة فلا مدح ولا ثواب على الصبر.
ثم علل استواء الصبر وعدمه بقوله :
إنما تجزون ما كنتم تعملون أي إنما تستوفون جزاء أعمالكم في الدنيا، إن خيرا فخير وإن شرا فشر { ولا يظلم ربك أحدا ( الكهف : ٤٩ ) بل يجازي كل أحد بعمله، وإذا كان الجزاء وقعا حتما كان الصبر وعدمه سواء.
والخلاصة : إن الجزاء محتم الوقوع، لسبق الوعيد به في الدنيا على ألسنة الرسل، ولقضاء الله به بمقتضى عدله، فالصبر وعدمه سيان حينئذ.

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير