ﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃ

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٩:قوله :«كلوا واشربوا » أي يقال لهم كُلُوا واشربوا هنيئاً. وقد تقدم الكلام في :«هَنِيئاً » فِي النِّسَاء.
قال الزمخشري : هنا يقال لهم كلوا واشربوا أكلاً وشُرْباً هنيئاً أو طعاماً وشرباً هنيئاً. وهو الذي لاَ تَنْغَيصَ فِيهِ.

ويجوز أن يكون مثله في قوله :

هَنِيئاً مَرِيئاً غَيْرَ دَاءٍ مُخَامِرٍ لِعَزَّةَ مِنْ أَعْرَاضِنَا مَا اسْتَحَلَّتِ١
أعني صفةً استعملت استعمال المصدر القائم مقام الفعل، مرتفعاً به «ما اسْتَحَلَّت » كما يرتفع بالفعل كأنه قيل هَنّأ عَزَّةَ المُسْتَحَلُّ منْ أعْرَاضِنَا، فكذلك٢ معنى «هنيئاً » هُنَا٣ هنّأَكُمُ الأَكْلُ والشُّرْبُ، أو هَنَّأَكُمْ مَا كُنْتُم تَعْملونَ٤ والباء مزيدة كما في «كَفَى بِاللَّهِ » والباء متعلقة بكُلُوا واشْرَبُوا إذا جعلت الفاعل الأكل والشرب٥. وهذا من محاسن كلامه.
قال أبو حيان : أما تجويزه زيادة الباب فليست بمَقِيسةٍ في الفاعل إلا في فاعل «كَفَى » على خلافٍ٦ فيها فتجويزها هنا لا يسوغ.
وأما قوله : إنَّها تتعلق ب «كُلُوا واشْرَبُوا » فلا يصح إلا على الإعمال فهي تتعلق بأحدهما. انتهى٧. وهذا قريب.
قوله :«مُتَّكِئِينَ » فيه أوجه :
أحدها : أنه حال من فاعل :«كُلُوا ».
الثاني : أنه حال من فاعل :«أَتَاهُمْ ».
الثالث : أنه حال من فاعل :«وَقَاهُمْ ».
الرابع : أنه حال من الضمير المُسْتَكِنِّ في الظرف.
الخامس : أنه حال من الضمير في :«فَاكِهِينَ »٨.
وأحسنها أن يكون حالاً من ضمير الظرف٩ لكونه عُمْدَةً.
وقوله :«عَلَى سُرُرٍ » متعلق ب «متَّكِئينَ ».
وقراءة العامة بضم الراء الأولى. وأبو السَّمَّال بفتحها١٠. وقد تقدم أنها لغة لكَلْبٍ في المضعف يَفرونَ من تَوَالِي ضمتين في المضعف.
قوله : وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ قرأ عكرمةُ بحُورٍ عينٍ١١ بإضافة الموصوف إلى صفته على التأويل المشهور١٢.

فصل


اعلم أنه تعالى بين أسباب التنعيم على الترتيب، فأول ما يكون المَسْكَن وهو الجَنّات ثم الأكل والشرب، ثم الفرش والبسط ثم الأزواج، فهذه أمور أربعة ذكرها الله على الترتيب، وذكر في كل واحد منها ما يدل على كماله، فقوله :«جَنّات » إشارة إلى المسكن وقال :«فاكهين » إشارة إلى عدم التَّنغُّص وعلو المرتبة بكونه مما آتاهم الله، وقال : كُلُواْ واشربوا هَنِيئَاً أي مأمون العاقبة من التَّخَم والسَّقَم، وترك ذكر المأكول والمشروب دلالة على تنوعهما وكثرتهما، وقوله : بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ إشارة إلى أنه تعالى يقول : إني مع كوني ربكم وخالقَكم وأدْخَلْتُكُم الجنة بفضلي فلا مِنَّة لي عليكم اليوم وإنما مِنَّتي عليكم كان في الدنيا هديتكم ووفقتكم للأعمال الصالحة كما قال : بَلِ الله يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلإِيمَانِ [ الحجرات : ١٧ ] وأما اليوم فلا مِنَّةَ عليكم لأن هذا إِنجازُ الوَعْدِ١٣.
فإن قيل : قال في حقّ الكفار : إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ وقال في حق المؤمنين : بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ فما الفرق بينهما ؟.

فالجواب من وجوه :

الأول : أن كلمة «إنَّما » للحصر، أي لا يجزون إلا ذلك، ولم يذكر هذا في حق المؤمن، لأنه يجزيه أضعاف ما عَمِلَ، ويَزِيدُهُ من فضله.
الثاني : قال هنا :«بِمَا كُنْتُمْ » وقال هناك : مَا كُنتُمْ [ النمل : ٩٠ ] أي تجزون عن أعمالكم. وهذا إشارة إلى المبالغة في المماثلة، كأنه يقول : هذا عينُ ما عملت. وقوله في حق المؤمن : بِمَا كُنْتُم كأنَّ ذلك أمر ثابتٌ مستمرٌّ يفيدكم هذا.
الثالث : أنه ذكر الجزاء هناك، وقال هنا : بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ لأَنَّ الجزاء يُنْبِئ عن الانقطاع، فإِن من أحسن إلى أحد فأتى بجزائه لا يتوقع المحسنُ منه شيئاً آخر.
فإن قيل : فاللَّه تعالى قال في موضع آخر : بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [ المرسلات : ٤٣ ] في الثواب.
فالجواب : أنه في تلك المواضعِ لَمَّا لم يخاطب المجزيَّ ولم يقل : بما كنت تفعل أتى بما يفيد العلم بالدوام وعدم الانْقِطَاع. وأما في السرر فذكر أموراً :
أحدها : الاتّكاء فإنه هيئة مختصّة بالمنعم والفارغ الذي لا كُلْفَة عليه. وجمع السرر لأَمْرَيْنِ :
أظهرهما : أن يكون لكل واحد سُرَرٌ ؛ لأنه قوله :«مَصْفُوفة » يدل على أنه لواحدٍ، لأن سرر الكل لا تكون في موضع واحد مصطفَّة، ولفظ السَّرِير فيه حروف السُّرُور، بخلاف التَّخْتِ وغيره، وقوله :«مَصْفُوفَة » أي منتظمة بعضُها١٤ إلى جَنْبِ بعض فإِنها لو كانت متفرقة لقيل في كل موضع واحد يتكئ عليه صاحبه إذا حضر هذا الموضع. وقول تعالى : وَزَوَّجْنَاهُم إِشارة إلى النِّعمة الرابعة، وفيها ما يدل على كمال الحال من وجوه :
الأول : أنه هو المزوج وهو الولي الذي يلي الطرفين يُزوج عباده بإِمائه ومن يكون كذلك لا يفعل إلا ما فيه راحة العباد والإماء.
الثاني : قال :«وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُور » ولم يقل : وَزَوَّجْنَاهُمْ حوراً مع أن لفظ التزويج يتعدى فعله إلى مفعولين بغير حرف، تقول زَوَّجْتُكَهَا، قال الله تعالى : فَلَمَّا قضى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا [ الأحزاب : ٣٧ ] وذلك إشارة إلى أن المنفعة في التزويج لهم، وإنما زوجوا للذتهم بالحور لا لِلَذَّة الحور بهم.
الثالث : عدم الاقتصار على الزوجات بل وصفهن بالحُسْن واختار الأحسن من الأحسن، فإِنَّ أحْسَنَ ما في صورة الآدميِّ وَجْهُهُ، وأحسنَ ما في الوجه العَيْنُ١٥.
١ من الطويل وهو لكُثيّر وهو بالديوان. والشاهد قد أوضحه أعلى وهو وقوع "هنيئا" صفة استعملت استعمال المصدر كما أوضحه أعلى وانظر الكشاف ٤/٢٤، وشرح شواهده ٢٥٤ والبحر ٨/١٤٨، وديوانه ١/٤٩ الجزائر ١٩٢٨..
٢ في الكشاف: وكذلك..
٣ وفيه: ههنا..
٤ وانظر الكشاف ٤/٢٣ و٢٤..
٥ المرجع السابق..
٦ زيادة الباء في كفى غالبة وواجبة، وضرورة فالغالبة كما هنا في: "كفى بالله"، وقال الزجاج: دخلت الباء لتضمن كفى معنى اكتف. وقال ابن السّراج: الفاعل ضمير الاكتفاء وصحة قوله موقوفة على جواز تعلق الجار بضمير المصدر. وهو قول الفارسي والرماني أجازوا: "مُروري بزيد حسن وهو بعمرو قبيح" وانظر المغني في حرف "الباء" ص ١٠٦ و١٠٧ إلى ١١١..
٧ البحر ٨/١٤٨..
٨ قاله بهذه الأوجه العُكبريّ في التبيان ١١٨٤..
٩ البحر السابق..
١٠ على وزن فُعَل..
١١ وقد ذكر هاتين القراءتين أبو حيان في البحر المحيط ٨/١٤٨ وكلتاهما شاذة..
١٢ أي بزوجات حور عين..
١٣ وانظر الرازي بالمعنى منه ٢٨/٢٤٨ و٢٤٩..
١٤ في (ب) بعضا..
١٥ وانظر هذا في المرجع السابق ٢٨/٢٤٩..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية