والذين آمنوا مبتدأ، واتَّبعتهم ذريتُهم عطف على آمنوا ، و بإِيمان متعلق بالاتباع، والخبر : ألحقنا بهم ذرياتهم ١ أي : تلحق الأولاد بدرجات الآباء ؛ إذ شاركوهم في الإيمان، وإن قصرت أعمال الذرية عن أعمال الآباء، وكذلك الآباء تلحق بدرجة الأبناء ؛ لتقرّ بذلك أعينهم، فيلحق بعضهم ببعض، إذا اجتمعوا في الإيمان من غير أن ينقص أجر مَنْ هو أحسن عملاً شيئاً، بزيادته في درجة الأنقص، ولا فرق بين مَنْ بلغ مِن الذرية، أو لم يبلغ، إذا كان الآباء مؤمنين. انظر الثعلبي.
وفي حديث ابن عباس :" إذا دخل أهلُ الجنة الجنة، يسأل الرجلُ عن أبويه، وزوجته، وولده، فيُقال : إنهم لم يُدركوا ما أدركتَ، فيقول : لقد عملتُ لي ولهم أجمعين، فيؤمر بإلحاقهم به ". قال القشيري : ليكمل عليهم سرورهم بذلك ؛ فإنّ الانفراد بالنعمة والقلب مشتغل بالأهل والذرية ينغص العيش، وكذلك مَن يلاحظ قلباً من صديق وقريب ووليّ وخادم، قال تعالى في قصة يوسف : وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ [ يوسف : ٩٣ ]. ه.
قال في الحاشية : وربما يستأنس بما ذُكر في الجملة بقوله : وَمَن يُطِعِ اللَّهِ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم. . . [ النساء : ٦٩ ] الآية، وما قيل في سبب نزولها، وكذلك حديث :" المرء مع مَن أحب " ٢، وحال الجنة مما لا يخطر على بال، فيجوز أن يكون الأدنى مع الأعلى بمنازلته معه، مع مباينته له بحقيقته، كما أنّ حَيطة الحق تعالى شاملة للكل، وكل يتعرّف له على قدره، فالكل معه بمطلق التعرُّف، مع تحقُّق التفاوت، وأهل الجنة فيها على حكم الأرواح، وأحكامها لا تكيف، واعتبر بالفروع مع الأصول، مع تفاوتها. والله أعلم. ه.
والحاصل : أنهم يلحقون بهم في الطبقة، ويتفاوتون في نعيم الأرواح والأشباح، وفي الرؤية والزيادة٣. والله تعالى أعلم.
وما أَلتناهم أي : ما نقصنا الآباء بهذا الإلحاق مِن عملهم من ثواب عملهم من شيءٍ بأن أعطينا بعض مثوباتهم لأبنائهم، فتنقص مثوبتهم، وتنحط درجتهم، وإنما رفعناهم إلى منزلتهم بمحض التفضُّل والإحسان. والألت : البخس. وقرأ المكي :( أَلِتناهم ) بكسر اللام، من : ألِت يألَت، كعلم يعلم، و " مِن " الأولى متعلقة ب " ألتناهم "، والثانية زائدة لتأكيد النفي. كُلُّ امرئ بما كسب رهينٌ أي : كل امرئ مرهون عند الله بعمله، فإن كان صالحاً فله، وإلا أهلكه. والجملة : استئناف بياني، كأنه لمّا قال : ما نقصناهم من عملهم شيئاً نعطيه الأبناء حتى يلحقوا بهم على سبيل التفضُّل، قيل : لِمَ كان الإلحاق تفضُّلاً ؟ قال : لأن كل امرئ بما كسب رهين، وهؤلاء لم يكن لهم عمل يلحقوا بسببه بهم، فأُلحقوا تفضُّلاً.
فالخمرة التي يشوبها شيء من حديث النفْس ليس بصافية من الأكدار. ولا تأثيم بنزوع الروح إلى طبع النفس، وإذا نزلت إلى سماء الحقوق، أو أرض الحظوظ، بل تكون في ذلك بالله، ومن الله، وإلى الله، تنزل بالإذن والتمكين، والرسوخ في اليقين، جعلنا الله من ذلك القبيل بمنّه وكرمه. وإذا جلستَ إلى المُدام وشُربِه فاجعلْ حديثكَ كلّه في الكأس
وقال الورتجبي : يتنازعون... الآية : وصفهم الله في شربهم كاسات شراب الوصلة بالمسارعة والشوق إلى مزيد القُربة، ثم وصف شرابَهم أنه يورثهم التمكين والاستقامة في السُكْر، لا يزول حالهم إلى الشطح والعربدة، وما يتكلم به سكارى المعرفة في الدنيا عند الخلق، ولا يشابِهُ حالُ أهل الحضرة حالَ أهل الدنيا من جميع المعاني. هـ.
٢ أخرجه البخاري في الأدب حديث ٦١٦٩، ٦١٧٠، ومسلم في البر حديث ١٦٥..
٣ في هامش الأصل ما يلي: هذا تحكم على الآية، وعلى كرم الله تعالى، فإن الآية مطلقة في الإلحاق فلا يقيدها إلا آية أو حديث صحيح..
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي