نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٢٤:في بداية هذا الربع يصف كتاب الله نوع الأحاديث التي يتبادلها أهل الجنة فيما بينهم، عندما يستقرون، بفضل الله، في " دار الخلود " فها هم أولاء يقبل بعضهم على بعض في مودة وإخاء، ويسأل بعضهم بعضا في ثقة واطمئنان وها هم يستعيدون ذكرياتهم عما مضى لهم في الحياة الدنيا، وها هم يحللون حالتهم النفسية والخلقية التي كانوا عليها في " دار التكليف " وها هم يستخلصون النتائج والعبر مما كانوا عليه، ومما صاروا إليه، وذلك ما تضمنه قوله تعالى : وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون ٢٥ قالوا إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين٢٦ فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم٢٧ إنا كنا من قبل ندعوه أنه البر الرحيم٢٨ .
ومعنى قول أهل الجنة : إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين أي كنا في حد ذاتنا، وفيما بين أهلنا ووسط عشيرتنا، ملتزمين لتقوى الله، متجنبين لمعصية الله، خائفين من حساب الله، ولم نكن طاغين ولا متمردين ولا غافلين، ومعنى قول أهل الجنة : فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم ، أن الله تعالى تفضل علينا بما آتانا من النعيم المقيم، وبما نجانا منه من العذاب الأليم. واعترافهم في هذا المقام " بمنة الله عليهم " دون " الامتنان عليه " بعملهم، أو باستحقاقهم للجزاء عليه، يدل على مبلغ ما هم عليه من أدب مع الله، فهم يعتبرون الأعمال الصالحة التي عملوها في " دار الفناء " مجرد توفيق من الله، ويعدون الجزاء الحسن عليها في " دار الجزاء " مجرد منة من الله، وذلك منتهى الكمال في الأدب، في الدنيا والآخرة.
ومعنى قول أهل الجنة : إنا كنا من قبل ندعوه أنه هو البر الرحيم٢٨ ، أنهم كانوا على الدوام يطرقون باب الله، دون أن يملوا من الدعاء والتضرع والابتهال، إذ كانوا واثقين بأن " الدعاء هو مخ العبادة " كما جاء في الحديث الشريف، بحيث يلتجئون إليه سبحانه في السراء والضراء، والشدة والرخاء، إيمانا منهم بأنه لا ضار ولا نافع سواه، وتجاوبا منهم مع التوجيه الإلهي القاطع : أمن يجيب المضطر إذا دعاه ( النمل : ٦٢ )، وهم عندما كانوا يتوجهون بدعائهم، ويتجهون فيه إلى الله وحده، لم يكن يداخلهم أدنى شك في بر الله لهم، ورحمته إياهم، إذ هو سبحانه " البر الرحيم " بأوسع معاني البر، وأعم وجوه الرحمة.
وانتقل كتاب الله إلى تثبيت قلب الرسول عليه السلام، وحمله على الصبر إلى النهاية، في سبيل تبليغ الرسالة، دون أن يتأثر بما يوجهه إليه أعداد الله من قذف بالكهانة حينا، وبالجنون حينا، فقد حماه الله منهما، وأنعم عليه بأكبر النعم، إذ اختاره سبحانه وتعالى لأمر عظيم، وذلك قوله تعالى : فذكر فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون٢٩ .
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري