وإِنَّ للذين ظلموا أي : لهم، ووضع الموصول موضع الضمير تسجيلاً عليهم بالظلم، أي : وإنَّ لهؤلاء الظلمة عذاباً آخر دون ذلك دون ما لاقوه من القتل، أي : قبله، وهو القحط الذي أصابهم، حتى أكلوا الجلود الميتة. أو : وإنَّ لهم عذاباً دون ذلك، أي : وراءه، وهو عذاب القبر وما بعده من فنون عذاب الآخرة. ولكنَّ أكثرهم لا يعلمون أن الأمر كما ذكر، وفيه إشارة إلى أن فيهم مَن يعلم ذلك، وإنما يصر على ذلك عناداً : أو لا يعلمون شيئاً أصلاً ؛ إذ هم جاهلية جهلاء.
الإشارة : أهل الحسد والعناد لا ينفعهم ما يرونه من المعجزات والكرامات، أو الحسد يُغطي نور البصيرة، فذرهم في غفلتهم وحيرتهم، وكثافة حجابهم، حتى يُصعقوا بالموت ؛ فيعرفون الحق، حين لا تنفع المعرفة فيقع الندم والتحسُّر، وإنَّ لهم عذاباً دون ذلك، وهو عيشهم في الدنيا عيش ضنك في هَم وغم وجزع وهلع، ولكنَّ أكثرهم لا يعلمون ذلك ؛ لأنهم لا يرون إلا مَن هو مثلهم. ومَن توسعت دائرة معرفته، فعاش في روح وريحان، فهو غائب عنهم، لا يعرفون مقامه، ولا منزلته.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي