ﭑﭒﭓ

سورة النجم
(مكية وهي اثنتان وستون آية وثلاثمائة وستون كلمة وألف وأربعمائة وخمسة أحرف) بسم الله الرّحمن الرّحيم
[سورة النجم (٥٣): الآيات ١ الى ٤]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

وَالنَّجْمِ إِذا هَوى (١) ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى (٢) وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحى (٤)
قوله عز وجل: وَالنَّجْمِ إِذا هَوى قال ابن عباس يعني الثريا إذا سقطت وغابت والعرب تسمي الثريا نجما ومنه قولهم إذا طلع النجم عشاء ابتغى الراعي كساء وجاء في الحديث عن أبي هريرة مرفوعا: «ما طلع النجم قط وفي الأرض من العاهة شيء إلا رفع» أراد بالنجم الثريا، وقيل: هي نجوم السماء كلها وهويها غروبها فعلى هذا لفظه واحد ومعناه الجمع. وروي عن ابن عباس أنه الرجوم من النجوم وهي ما ترمى به الشياطين عند استراق السمع. وقيل: هي النجوم إذا انتثرت يوم القيامة. وقيل: أراد بالنجم القرآن سمي نجما لأنه نزل نجوما متفرقة في عشرين سنة وهو قول ابن عباس أيضا. وقيل: النجم هو النبت الذي لا ساق له وهويه سقوطه إذا يبس على الأرض. وقيل: النجم هو محمد صلّى الله عليه وسلّم وهويه نزوله ليلة المعراج من السماء وجواب القسم قوله تعالى: ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ يعني محمدا صلّى الله عليه وسلّم ما ضل عن طريق الهدى وَما غَوى أي ما جهل. وقيل: الفرق بين الضلال والغي أن الضلال هو أن لا يجد السالك إلى مقصده طريقا أصلا والغواية أن لا يكون له طريق إلى مقصده مستقيم وقيل: إن الضلال أكثر استعمالا من الغواية وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى أي بالهوى والمعنى لا يتكلم بالباطل وذلك أنهم قالوا: إن محمدا يقول القرآن من تلقاء نفسه إِنْ هُوَ أي ما هو يعني القرآن وقيل: نطقه في الدين إِلَّا وَحْيٌ من الله يُوحى إليه.
[سورة النجم (٥٣): الآيات ٥ الى ١١]
عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى (٧) ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى (٨) فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى (٩)
فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى (١٠) ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى (١١)
عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى يعني جبريل علم محمدا صلّى الله عليه وسلّم ما أوحى الله إليه عز وجل وكونه شديد القوى أنه اقتلع قرى قوم لوط وحملها على جناحه حتى بلغ بها السماء ثم قلبها وصاح صيحة بثمود فأصبحوا جاثمين وكان هبوطه بالوحي على الأنبياء أسرع من رجعة الطرف ذُو مِرَّةٍ أي ذو قوة وشدة. وقال ابن عباس: ذو منظر حسن وقيل: ذو خلق طويل حسن.
فَاسْتَوى يعني جبريل عليه الصلاة والسلام وَهُوَ يعني محمدا صلّى الله عليه وسلّم والمعنى استوى جبريل ومحمد ليلة المعراج بِالْأُفُقِ الْأَعْلى عند مطلع الشمس وقيل: فاستوى يعني جبريل وهو كناية عن جبريل أيضا أي قام في صورته التي خلقه الله فيها وهو بالأفق الأعلى وذلك أن جبريل عليه الصلاة والسلام كان يأتي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم

صفحة رقم 203

في صورة الآدميين كما كان يأتي الأنبياء قبله فسأله رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن يريه نفسه على صورته التي جبل عليها فأراه نفسه مرتين مرة في الأرض ومرة في السماء فأما التي في الأرض فبالأفق الأعلى والمراد بالأفق الأعلى جانب المشرق وذلك أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان بحراء، فطلع له جبريل عليه الصلاة والسلام من ناحية المشرق، فسد الأفق إلى المغرب فخرّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مغشيا عليه فنزل جبريل عليه، الصلاة والسلام في صورة الآدميين فضمه إلى نفسه وجعل يمسح الغبار عن وجهه وهو قوله تعالى: ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى وأما التي في السماء فعند سدرة المنتهى ولم يره أحد من الأنبياء على تلك الصورة التي خلق عليها إلا نبينا محمد صلّى الله عليه وسلّم قوله تعالى: ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى.
اختلف العلماء في معنى هذه الآية فروي عن مسروق بن الأجدع قال «قلت لعائشة فأين قوله ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى؟ قالت ذلك جبريل كان يأتيه في صورة الرجل وإنه أتاه في هذه المرة في صورته التي هي صورته فسد الأفق» أخرجاه في الصحيحين.
وعن زر بن حبيش في قوله تعالى: فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى وفي قوله ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى وفي قوله لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى قال: فيها كلها أن ابن مسعود قال «رأى جبريل عليه الصلاة والسلام له ستمائة جناح» زاد في رواية أخرى «رأى جبريل في صورته» أخرجه مسلم والبخاري في قوله تعالى: فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى فعلى هذا يكون معنى الآية ثم دنا جبريل بعد استوائه بالأفق الأعلى من الأرض فتدلى إلى محمد صلّى الله عليه وسلّم فكان منه قاب قوسين أو أدنى أي: بل أدنى وبه قال ابن عباس والحسن وقتادة.
وقيل: في الكلام تقديم وتأخير تقديره ثم تدلى فدنا لأن التدلي سبب الدنو. وقال آخرون: ثم دنا الرب عز وجل من محمد صلّى الله عليه وسلّم فتدلى أي فقرب منه حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى وقد ورد في الصحيحين في حديث المعراج من رواية شريك بن عبد الله بن أبي نمر عن أنس ودنا الجبار رب العزة فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى.
وهذه رواية أبي سلمة عن ابن عباس والتدلي هو النزول إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم. قال الحافظ عبد الحق في كتابه. الجمع بين الصحيحين، بعد ذكر حديث أنس من رواية شريك، وقد زاد فيه زيادة مجهولة وأتى فيه بألفاظ غير معروفة.
وقد روى حديث الإسراء جماعة من الحفاظ المتقنين كابن شهاب وثابت البناني وقتادة يعني عن أنس فلم يأت أحد منهم بما أتى به وفي رواية شريك قدم وآخر وزاد ونقص فيحتمل أن هذا اللفظ من زيادة شريك في الحديث وقال الضحاك دنا محمد صلّى الله عليه وسلّم من ربه عز وجل فتدلى أي فأهوى للسجود فكان منه قاب قوسين أو أدنى والقاب القدر والقوس الذي يرمي به وهو رواية عن ابن عباس. وقيل: معناه حيث الوتر من القوس فأخبر أنه كان بين جبريل ومحمد صلّى الله عليه وسلّم مقدار قوسين وهذا إشارة إلى تأكيد القرب وأصله أن الحليفين من العرب كانا إذا أرادا عقد الصفاء والعهد بينهما خرجا بقوسيهما فألصقا بينهما يريد أن بذلك أنهما متظاهران يحامي كل واحد منهما عن صاحبه. وقال عبد الله بن مسعود: قاب قوسين قدر ذراعين والقوس الذراع التي يقاس بها من قاس يقيس أو أدنى بل أقرب فَأَوْحى
أي فأوحى الله إِلى عَبْدِهِ
محمد صلّى الله عليه وسلّم ما أَوْحى
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال أوحى جبريل إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ما أوحى إليه ربه عز وجل وقال سعيد بن جبير: أوحى إليه أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى إلى قوله وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ وقيل: أوحى إليه أن الجنة محرمة على الأنبياء حتى تدخلها أنت وعلى الأمم حتى تدخلها أمتك قوله عز وجل: ما كَذَبَ الْفُؤادُ قرئ بالتشديد أي ما كذب محمد صلّى الله عليه وسلّم ما رَأى أي بعينه تلك الليلة بل صدقه وحققه وقرئ بالتخفيف أي ما كذب فؤاد محمد الذي رآه بل صدقه والمعنى: ما كذب الفؤاد فيما رأى. واختلفوا في الذي رآه، فقيل: رأى جبريل وهو قول ابن عباس وابن مسعود وعائشة وقيل: هو الله عز وجل ثم اختلفوا في معنى الرؤية فقيل جعل بصره في فؤاده وهو قول ابن عباس (م). عن ابن عباس ما

صفحة رقم 204

لباب التأويل في معاني التنزيل

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الحسن علاء الدين علي بن محمد بن إبراهيم بن عمر الشيحي

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت
سنة النشر 1415
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية