ﭑﭒﭓ

تفسير سورة النجم
إثبات ظاهرة الوحي
تميزت سورة النجم المكية بالإجماع بأنها أول سورة أعلن بها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وجهر بقراءتها في الحرم، والمشركون يستمعون، وفي آخرها سجد، وسجد معه المؤمنون والمشركون، والجن والإنس، غير أبي لهب، فإنه رفع حفنة من تراب إلى جبهته، وقال: يكفيني هذا، روى ذلك البخاري عن ابن عباس، رضي الله عنهما.
وأقسم الله تعالى في مطلع هذه السورة بالنجم تشريفا له لإثبات ظاهرة الوحي على قلب النبي صلّى الله عليه وسلّم، بواسطة أمين الوحي جبريل عليه السّلام الذي رآه النبي صلّى الله عليه وسلّم على صورته الحقيقية مرة أخرى، وذلك في السماء بعد رؤيته في الأرض، قال الله تعالى:
[سورة النجم (٥٣) : الآيات ١ الى ١٨]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

وَالنَّجْمِ إِذا هَوى (١) ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى (٢) وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحى (٤)
عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى (٧) ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى (٨) فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى (٩)
فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى (١٠) ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى (١١) أَفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى (١٢) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى (١٤)
عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى (١٥) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى (١٦) ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى (١٧) لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى (١٨)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» «٩» [النجم: ٥٣/ ١- ١٨].
(١) مال وسقط للغروب.
(٢) ما عدل محمد صلّى الله عليه وسلّم عن طريق الحق إلى الباطل، وما جهل بما أوحي إليه.
(٣) صاحب القوى الشديدة.
(٤) ذو حصافة في العقل واستحكام في النطق، فاستقام على صورته الحقيقية التي خلق عليها.
(٥) قرب فتعلق بالهواء.
(٦) مقدار قوس أو أقرب من ذلك. [.....]
(٧) أي جبريل إلى عبد الله.
(٨) مرة أخرى.
(٩) ما مال البصر وما تجاوز حده.

صفحة رقم 2524

أقسم الله تعالى بالنجم إذا مال للغروب، تشريفا له، حتى يؤول ذلك إلى معرفة الله تبارك وتعالى. مثل قوله تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ (٧٥) [الواقعة: ٥٦/ ٧٥].
والمقسم عليه وهو الوحي حق ثابت. فما عدل النبي صلّى الله عليه وسلّم عن طريق الحق إلى الباطل، وما جهل بما أوحي إليه. والضلال: هو الذي يكون بغير قصد من الإنسان. والغي: ما تتكسبه وتريده.
وما يقول هذا النبي قولا عن هوى وغرض، إن كل ما ينطق به هو وحي أوحاه الله إليه، ويبلّغ جميع وحي الله من غير زيادة ولا نقصان. والمراد بالوحي: القرآن.
والوحي: إلقاء المعنى في خفاء.
ومعلّم القرآن الناقل عن رب العزة: هو جبريل عليه السّلام، الشديد بقواه العلمية والعملية، وهو ذو قوة وشدة، وذو حصافة في العقل، ومتانة في الرأي، وقد اعتدل على صورته الحقيقية التي خلقه الله عليها، حين كان في الأفق الأعلى، أي في الجهة العليا من السماء، وهو أفق الشمس، فسدّ الأفق حين جاء بالوحي إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم أول مجيئه.
ثم قرب جبريل من الأرض إلى محمد صلّى الله عليه وسلّم عند حراء، وتعلق بالهواء، وازداد في القرب من محمد والنزول، فكان فيما بينهما مقدار ما بين قوسين من المسافة أو أقل من ذلك، فأوحى جبريل إلى عبد الله، ما أوحى من القرآن في تلك النزلة، من شؤون الدين والتشريع، وهذا كان في أثناء رؤية حقيقة جبريل، والرسول في الأرض في حراء. ورآه مرة أخرى على حقيقته، والرسول في السماء، ليلة الإسراء، وحينما رآه سدّ الأفق، له ست مائة جناح.
ولم تكن رؤية جبريل خيالا، وإنما حقيقة معاينة، فما أنكر فؤاد النبي ما رآه من

صفحة رقم 2525

صورة جبريل، وإنما كان في كامل وعيه، وكان فؤاده صادقا، فتكون عينه أصدق، فكيف تجادلونه وتكذبونه معشر قريش فيما رآه بعينه رؤية مشاهدة محسوسة؟ وقوله:
أَفَتُمارُونَهُ «١» خطاب لقريش معناه: أتكذبون فتجادلونه على ما يراه معاينة؟ ولم يرو قط أن محمدا صلّى الله عليه وسلّم رأى ربه عز وجل قبل ليلة الإسراء. ولكن لا مانع من رؤية القلب.
أخرج مسلم والترمذي وأحمد: أن أبا ذر سأل النبي صلّى الله عليه وسلّم: هل رأيت ربّك؟ فقال:
«نور أنى أراه».
ولقد رأى محمد صلّى الله عليه وسلّم جبريل نازلا مرة أخرى على صورته التي خلقه الله عليها، وذلك في ليلة الإسراء، عند سدرة المنتهى التي هي في المشهور: شجرة في السماء السابعة، وعندها الجنة التي تأوي إليها أرواح المؤمنين.
ونحن نؤمن بسدرة المنتهى، على النحو الوارد في ظاهر القرآن الكريم، دون تعيين مكانها وأوصافها.
وتلك السدرة يحيط بها من الخلائق الدالة على عظمة الله وجلاله ما يحيط، مما لا يحصره وصف ولا عدد. وهذا يشعر بالتعظيم والتكثير.
ما مال بصر النبي صلّى الله عليه وسلّم عما رآه، وما تجاوز ما رأى، فرؤية جبريل وغيره من مظاهر ملكوت الله رؤية عين، وليست من خدع البصر، وهذا يؤكد أن معراج النبي صلّى الله عليه وسلّم إلى السماء كان بالروح والجسد.
لقد رأى في ليلة المعراج من آيات ربه العظام ما لا يحيط به الوصف، وهو رؤية جبريل على صورته، وسائر عجائب الملكوت و (الكبرى) : وصف ل (آيات). وهذا كما جاء في آية أخرى: لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا [الإسراء: ١٧/ ١] ولكن دون تحديد المرئي، للإشارة إلى تعظيمه وأهميته.

(١) أتجادلونه في شيء رآه وأبصره؟

صفحة رقم 2526

التفسير الوسيط

عرض الكتاب
المؤلف

وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي

الناشر دار الفكر - دمشق
سنة النشر 1422
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية