ﭕﭖﭗﭘﭙ

تفسير المفردات : ما ضل : أي ما حاد عن الطريق المستقيم، صاحبكم : أي مصاحبكم، والتعبير عنه صلى الله عليه وسلم بعنوان المصاحبة لهم إيذان بوقوفهم على تفاصيل أحواله الشريفة، وإحاطتهم خبرا ببراءته مما نسب إليه، وباتصافه بالهدي والرشاد، فإن طول صحبتهم له، ومشاهدتهم لشؤونه العظيمة تقتضي ذلك، ففي هذا تأكيد لإقامة الحجة عليهم، وما غوى : أي وما اعتقد باطلا، والخطاب في هذا لقريش.
المعنى الجملي : أقسم ربنا بخلق من مخلوقاته العظيمة التي لا يعلم حقيقتها إلا هو، وهي نجوم السماء التي تهدي الساري في الفلوات، وترشده إلى البعيد من المسافات – إن محمدا صاحبكم نبي حقا، وما ضل عن طريق الرشاد، ولا اتبع الباطل، ولا يتكلم إلا بوحي يوحيه الله إليه، ويعلمه إياه جبريل شديد القوى، ولقد رآه مرتين على صورته التي خلقه الله عليها بأجنحته وأوصافه الملكية : مرة بغار حراء في بدء النبوة، وأخرى ليلة المعراج حين عرج به إلى السماء، ورأى من عجائب صنع الله ما رأى، مما استطاع أن يخبركم به، ومما لم يستطع ذلك، فكيف بكم تجادلونه فيما أخبركم به، وتقولون طورا : إنه مجنون، وطورا آخر إنه كاهن، وطورا ثالثا إنه شاعر، وما كل هذا بالذي ينطبق على أوصافه، وهو صاحبكم وأنتم أعلم بحاله، فحق عليكم أن تسمعوا قوله، وأن تطيعوا أمره، فتفوزوا رضوان من ربه.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإيضاح : والنجم إذا هوى*ما ضل صاحبكم وما غوى أي قسما بمخلوقاتي العظيمة وهي النجوم التي تسير في مداراتها، ولا تعدو أفلاكها، والتي تهتدون بها في الفيافي والقفار، في حلكم وترحالكم، في سفركم وحضركم، وفي البحار، ولها لديكم منزلة عظمى في حياتكم المعيشية – إن محمدا نبي حقا، وما حاد عن سبيل الحق، ولا سلك سبيل الباطل.
وقد خاطب سبحانه بهذا القسم العرب الذين يعرفون ما للنجوم من جزيل الفضل عليهم، في تعيين المواسم والفصول، ليستعدوا للنجعة، ويرتادوا الكلأ بعد سقوط المطر، ويزرعوا ما يتسنى لهم أن يزرعوه، وهم يتيامنون ببعضها ويتشاءمون ببعض آخر.
إلى أن القسم بها ينبهنا إلى أن هناك عوالم وأجراما علوية يجب علينا أن نتعرف أمرها، لنستدل بها على عظيم قدرة مبدعها وبديع صنعه.
ولقد أثبت العلم حديثا ما يدعو إلى العجب من أحوال هذه الأجرام، وسرعة سيرها، وكبير حجمها، فقد علم أن سير نور الكوكب ٣٠٠ ألف كيلو م في الثانية، ومثله سير الأمواك اللاسلكية، وكلاهما يجري حول الأرض في سبع ثانية مرة واحدة، ويجري حول الكون كله في نحو مائة مليون سنة، فنسبة محيط الكرة الأرضية إلى محيط ما عرف من الكون كنسبة سبع ثانية إلى مائة مليون سنة.
والنظام الشمسي يشتمل على الشمس وتسعة سيارات تدور حول أكثرها أقمار، وهذه الشمس وعالمها جزء من عالم المجرة، والمجرة فيها نجوم تبلغ نحو ٣٠ ألف مليون نجم كلهن شموس كشمسنا أو أكبر أو أصغر. ويقدرون عمر الشمس بنحو خمسة ملايين مليون سنة، وعمر الأرض بنحو ألفي مليون سنة، وعمر المياه عليها بنحو ٣٠٠ مليون سنة، وعمر الإنسان بنحو ٣٠٠ ألف سنة.
وإن شمسنا التي تزيد على أرضنا ألف ألف مرة وثلاثمائة ألف مرة هي كوكب له توابع وسيارات، وهذا الكوكب وتوابعه واحد من ثلاثين ألف مليون شمس، وهذه كلها تكون مجرتنا، وهذه المجرة لها نظائر، فسبحان الخلاق العليم الذي لا يعلم جنوده إلا هو.
والخلاصة : إن الرسول صلى الله عليه وسلم راشد مرشد تابع للحق، ليس بضال ولا هو بسالك للطريق بغير علم، ولا هو بغاو يعدل عن الحق قصدا إلى غيره، وبهذا نزه الله رسوله وشرعه عن مشايعة أهل الضلال من اليهود والنصارى الذين يعلمون الحق ويعملون بخلافه، فهو في غاية الاستقامة والاعتدال والسداد.


تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير