تفسير المفردات : والشعرى : هي الشعرى العبور وهي ذلك النجم الوضاء الذي يقال له مرزم الجوزاء وقد عبدته طائفة من العرب.
المعنى الجملي : بعد أن بين سبحانه علمه وقدرته، وأن الجزاء واقع على الإساءة والإحسان، وأن المحسن هو الذي يجتنب كبائر الإثم، وهذا لا يعرف إلا بالوحي من الله تعالى.
ذكر هنا أن من العجب العاجب بعد هذا أن يسمع سامع، ويرجو عاقل أن غيره يقوم مقامه في تحمل وزره ويعطيه جعلا، لكنه ما أعطاه إلا قليلا حتى وقف عن العطاء، ومن ثم وبخه على ذلك، بأن علم هذا لا يكون إلا بوحي، فهل علم منه صحة ما اعتقد ؟ كلا فجميع الشرائع المعروفة لكم كشريعة موسى وإبراهيم على غير هذا، وأنه لا تزر وازرة وزر أخرى، وأن ليس للإنسان إلا ما سعى، فمن أين وصل له أن ذلك مجز له.
قال مجاهد وابن زيد : إن الآية نزلت في الوليد بن المغيرة، وكان قد سمع قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلس إليه ووعظه فلان قلبه للإسلام فطمع فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم إنه عاتبه رجل من المشركين وقال له : أتترك ملة آبائك ؟ ارجع إلى دينك، وأثبت عليه، وأنا أتحمل عنك كل شيء تخافه في الآخرة لكن على أن تعطيني كذا وكذا من المال، فوافقه الوليد على ذلك، ورجع عما هم به من الإسلام، وضل ضلالا بعيدا، وأعطى بعض المال لذلك الرجل ثم أمسك عنه وشح.
وقد ذكر سبحانه ما تضمنته صحف إبراهيم وموسى :
ألا يؤاخذ امرؤ بذنب غيره.
ألا يثاب امرؤ إلا بعمله.
إن العامل يرى عمله في ميزانه، خيرا كان أو شرا.
إنه يجازي عليه الجزاء الأوفى فتضاعف له حسناته إلى سبعمائة ضعف، ويجازى بمثل سيئاته.
إن الخلائق كلهم راجعون يوم المعاد إلى ربهم، ومجازون بأعمالهم.
إنه تعالى خلق الضحك والبكاء والفرح والحزن.
إنه سبحانه خلق الذكر والأنثى من نطفة تصب في الأرحام.
إنه تعالى خلق الموت والحياة.
إنه هو الذي أعطى الغنى والفقر، وكلاهما بيده وتحت قبضته.
إنه هو رب الشعرى، وكانت خزاعة تعبدها.
إنه أهلك عادا الأولى، وقد كانوا أول الأمم هلاكا بعد قوم نوح.
إنه أهلك ثمود فما أبقاهم، بل أخذهم بذنوبهم.
إنه أهلك قوم نوح من قبل عاد وثمود، وقد كانوا أظلم من الفريقين.
إنه أهلك المؤتفكة وهي قرى قوم لوط وقد انقلبت بأهلها، وغطاها بحجارة من سجيل.
الإيضاح : ١١ ) وأنه هو رب الشعرى أي وأنه تعالى رب هذا الكوكب الوهاج الذي تطلع خلف الجوزاء في شدة الحر.
وإنما خصها بالذكر من بين الأجرام السماوية، وفيها ما هو أكبر منها جرما وأكثر ضوءا، لأنها عبدت من دون الله في الجاهلية، فقد عبدتها حمير وخزاعة، وأول من سن عبادتها أبو كبشة وكان من أشراف العرب، وكانت قريش تقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم ابن أبي كبشة تشبيها له به، لمخالفته دينهم كما خالفهم أبو كبشة، وكان من أجداد النبي صلى الله عليه وسلم من قبل أمه، ومن ذلك قول أبي سفيان حين دخوله على هرقل لقد أمر أمر ابن أبي كبشة.
ومن العرب من كانوا يعظمونها، ويعتقدون أن لها تأثيرا في العالم ويتكلمون على المغيبات حين طلوعها.
وهي شعريان إحداهما شامية، وثانيتهما يمانية وهي المرادة هنا وهي التي كانت تعبد من دون الله.
تفسير المراغي
المراغي