قوله :«تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا » أي بمَرْأى منَّا. وقال مقاتل : بأعيننا أي بحفظنا، لقولك : اجْعَل هذا نصب عينك. وقيل : بالأعين النابعة من الأرض. وقيل : بأعين أوليائنا من الملائكة. فقوله : بأعيننا أي ملتبسة بحفظنا١، وهو في المعنى كقوله تعالى : وَلِتُصْنَعَ على عيني [ طه : ٣٩ ].
وقرأ زيد ( بن ) ٢ علي وأبو السَّمَّال بأَعْيُنَّا بالإدغام٣. وقال سفيان٤ : معناه بأمرنا.
قوله :( جزاء ) منصوب على المفعول له، نَاصبُهُ ( فَفَتَّحْنَا ) وما بعده.
وقيل : منصوب على المصدر إما بفعل مقدر أي جَازَيْنَاهُم جَزَاءً، وإما على التجوز بأن معنى الأفعال المتقدمة جازيناهم بها جزاءً.
قوله : لِمَن كَانَ كُفِرَ العامة على كُفِرَ مبنيًّا للمفعول، والمراد بمَنْ كُفِرَ : نوح - عليه الصلاة والسلام - أو الباري تعالى.
وقرأ مُسَيْلَمَةُ٥ بْنُ مُحَارِبٍ كُفْرَ بإسكان الفاء، كقوله :
لَوْ عُصْرَ مِنْهُ المِسْكُ وَالبَانُ انْعَصَرْ٦ ***. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقرأ يزيد بن رومان٧ وعيسى وقتادة : كَفَرَ، مبنياً للفاعل٨.
والمراد ب «مَنْ » حينئذ قَومُ نوح. و«كَفَر » خبر كان. وفيه دليل على وقوع خبر كان ماضياً من غير قد٩. وبعضُهمْ١٠ يقول : لا بد من ( قد ) ظاهرةً أو مضمرة١١.
ويجوز أن تكون كان مزيدة، وأما كفرهم ففيه وجهان :
أحدهما : أن يكون «كَفَرَ » مثل شَكَرَ تعدى بحرف وبغير حرف، يقال : شَكَرْتُهُ وشَكَرْتُ لَهُ، قال تعالى : واشكروا لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ [ البقرة : ١٥٢ ].
وقال : فَمَنْ يَكْفُرْ بالطاغوت [ البقرة : ٢٥٦ ].
الثاني : أن يكون من الكفر لا من الكُفْرَان أي جزاء لمن ستر أمره وأنكر شأنه، أو جزاء لمن كفر به١٢.
فصل
المعنى فعلنا به من إنجاء نوح وإغراق قومه ثواباً لمن كفر به وجُحِدَ أمره وهو نوح - عليه الصلاة والسلام -. وقيل :«مَنْ » بمعنى «ما » أي جزاء لما كان كفر من أيادي ونقمة عند الذين غرقهم، وجزاء لما صنع بنوحٍ وأصحابه١٣.
واللام في «لِمَنْ » لام المفعول له. والجزاء هنا بمعنى العقاب أي عقاباً لكفرهم.
٢ سقطت كلمة ابن من (أ)..
٣ قراءات شاذة ذكرها صاحب البحر المحيط ٨/١٧٨، وابن خالويه في المختصر ١٤٧ ورواها صاحب الإتحاف عن المطوّعي وانظر الإتحاف ٤٠٤..
٤ بتوضيح لما في التبيان ١١٩٤. واختار الزمخشري المفعول لأجله كما في الكشاف ٤/٣٨..
٥ كذا في النسختين وفي البحر: مسلمة وقد عُرِّف به..
٦ بيت من مشطور الرجز لأبي النجم العجلي وقبله:
هيّجها نضْحٌ من الطلّ سحَرْ
وهزّت الرّيح الندى حين قطرْ
والشاهد في "عُصْرَ" فإنه أراد عُصِر. وانظر البحر ٨/١٧٨، والإنصاف ١٢٤ والمنصف ١/٢٤ و٢/١٢٤ وشرح الشافية ١٥ والتصريح ١/٢٩٤، اللسان ٢٩٧١ "عصر"..
٧ هو يزيد بن رومان أبو روح المدني مولى الزبير، ثقة، ثبت، فقيه، قارئ، محدث عرض على عبد الله بن عياش وروى القاراءات عنه عرضا نافع وأبو عمرو. مات سنة ١٢٠، انظر طبقات ابن الجوزي ٢/٣٨١..
٨ شاذه. وانظر المحتسب ٢/٢٩٨..
٩ وهو مذهب البصريين والصحيح جوازه مطلقا بكثرته في كلامهم نظما ونثرا كثرة تُوجب القياس، قال تعالى: إن كان قميصه قُدّ وإن كنت قلته إن كنتم آمنتم أوَ لم تكونوا أقسمتم وقال الشاعر:
..................... *** وقد كانوا فأمسى الحيّ ساروا
وحكى الكسائي: أصبحت نظرت إلى ذات التّنانير..
١٠ وهم الكوفيون..
١١ وحجتهم أن كان وأخواتها إنما دخلت على الجمل لتدل على الزمان، فإذا كان الخبر يعطي الزمان لم يُحتَج إليها، ألا ترى أن المفهوم من: "زيد قام" ومن" "كان زيدٌ قائما" شيء واحد، واشتراط "قد" لأنها تقرب الماضي من الحال. وانظر الهمع ١/١١٣..
١٢ قاله الرازي في التفسير الكبير ١٥/١٤١..
١٣ البغوي ٦/٢٧٥..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود