نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٩:قوله : إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً الصَّرْصَرُ الشَّديدة الصَّوْت من صَرْصَرَ البابُ أو القَلَمُ إِذَا صَوَّت.
وقيل : الشديدة البرد من الصَّرِّ وهو البرد وهو كله أصول عند الجمهور.
وقال مكي : أصله «صَرَّراً » من صَرَّ الشيءُ إِذا صوت، لكن أبدلوا من الراء المشددة١ صاداً، وهذه أقوال الكُوفِيِّين. ومثله : كَبْكَبَ وكَفْكَفَ. وتقدم هذا في فُصِّلَتْ٢ وغيرها.
وقال ابن الخطيب : الصرصر هو الدائمة الهبوب من أَصَرَّ عَلَى الشَّيْءِ إِذا دَامَ وَثَبَت.
فصل
يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ شديد دائم الشُّؤم استمر عليهم بنُحُوسِهِ، ولم يُبْقِ منهم أحداً إِلا أهلكه. قيل : ذلك يوم الأربعاء في آخر الشهر.
فإن قيل : إذا كان يوم الأربعاء يَوْمَ نَحْسٍ مستمر فكيف يستجاب فيه الدعاء ؟ ! وقد جاء أن النبي - صلى الله عليه وسلم - استجيب له فيه فيما بين الظهر والعصر.
فالجواب : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال :«أتاني جبريل فقال :«إنَّ اللَّهَ يأمرك أَنْ تَقْضِي مع الشاهد » وقال : يَوْمُ الأربعاء يَوْمُ نَحْسٍ مُسْتَمِرّ. ومعلوم أنه لم يرد أنه نحس على المصلحين بل على المفسدين، كما كانت الأيام النحسات على الكُفار، لا على نبيهم والمؤمنين.
واعلم أنه تعالى قال ههنا : إِنا أرسلنا عليهم ريحاً صرصراً وقال في الذاريات : إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الريح العقيم [ الذاريات : ٤١ ] فعرَّف الريح هناك، ونكَّرَها ههنا ؛ لأن العقم في الريح أظهر من البَرْد الذي يضرّ النبات أو الشدة التي تَعْصِفُ الأشجار، لأن الريح العقيم هي التي لا تُنْشِئ سحاباً، ولا تُلَقِّح شجراً وهي كثيرة الوقوع، وأما الريح المهلكة الباردة فقلما تُوجَد فقال : الريح العقيم أي هذا الجنس المعروف٣.
ثم زاده بياناً بقوله : مَا تَذَرُ مِن شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاَّ جَعَلَتْهُ كالرميم فتميزت عن الريح العقيم، وأما الصرصر فقليلة الوقوع فلا تكون مشهورة فنكَّرها٤.
قوله : فِي يَوْمِ نَحْسٍ العامة على إضافة يَوْم إلى نَحْسٍ - بسكون الحاء - وفيه وجهان :
أحدهما : أنه من إضافة الموصوف إلى صفته.
والثاني - وهو قول البصريين٥ - أنه صفة لموصوف محذوف أي يوم عذاب نحس.
وقرأ الحسن - ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ) ٦ بتَنْوِينه ووصفه بنَحْسٍ٧ ولم يقيِّده الزمخشري بكسر الحاء٨. وقيده أبو حيان٩. وقد قرئ قوله : في أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ [ فصلت : ١٦ ] بسكون الحاء وكسرها، وتنوين «أيام » عند الجميع ما تقدم تقريره، و«مُسْتَمِرٍّ » صفة «ليوم » أو «نحس ». ومعناه كما تقدم أي عليهم حتى أهلكهم، أو من المرارة. قال الضحاك : كان مراً عليهم وكذا حكى الكسائي أن قوماً قالوا هو من المرارة يقال : مَرَّ الشَّيْءُ، وأَمَرَّ أي كان كالشيء المر تكرهه النفوس، وقد قال : فَذُوقُواْ [ آل عمران : ١٠٦ ] والذي يُذَاقُ قَدْ يكونُ مُرًّا١٠.
قوله :( تَنْزِعُ النَّاسَ ) في موضع نصب إما نعتاً ل «رِيحاً » وإما حالاً منها لتخصصها بالصفة ؛ ويجوز أن تكون مستأنفة١١. وقال :«الناس » ليعم ذَكَرَهُمْ وأنثاهم، فأوقع الظاهر موقع المضمر لذلك فالأصل تَنْزِعُهُمْ١٢.
فصل
قال تعالى هنا : فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ وقال في السجدة١٣ : فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ وقال في الحاقة : سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً [ الحاقة : ٧ ]. والمراد من اليوم هنا الوقت والزمان كما في قوله : يَوْمَ وُلِدْتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً [ مريم : ٣٣ ]. وقوله «مُسْتَمِرّ » يفيد ما يفيده الأيام ؛ لأن الاستمرار ينبئ عن امتداد الزمان كما تنبئ عَنْهُ الأيام. والحكاية هنا مذكورة على سبيل الاختصار فذكر الزمان ولم يذكر مقداره على سبيل الإيجاز١٤.
قوله :«كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ » حال من الناس مقدرةً١٥، و«مُنْقَعِرٍ » صفة للنَّخل باعتبار الجنس، ولو أنث لاعتبر معنى الجماعة كقوله : نَخْلٍ خَاوِيَةٍ [ الحاقة : ٧ ]. وقد مضى تحقيق١٦ اللغتين فيه.
وإنما ذكر هنا وأنث في الحاقة مراعاةً للفواصل في الموضعين. وقرأ أبو نُهَيْكٍ :«أَعْجُزُ » على وزن أفْعُلٍ نحو : ضَبُع وأَضْبُع١٧.
وقيل : الكاف في موضع نصب بفعل مقدر تقديره : تَتْرُكُهْم كَأَنَّهم أَعْجَازٌ. قاله مَكِّي١٨.
ولو جعل مفعولاً ثانياً على التضمين أي تصيرهم بالنزع كأنهم لَكَان أقرب.
والأعجاز جمع عَجُز١٩ وهو مؤخر الشيء، ومنه العَجْز، لأنه يؤدي إلى تأخر الأمور. والمُنْقَعِرُ : المنقلع من أصله ( يقال ) قَعَرْتُ النَّخْلَةَ قَلَعْتُهَا من أصلها فانْقَعَرَتْ. وقَعَرْتُ البئْرَ : وَصلتُ إِلى قَعْرِهَا وقَعَرْتُ الإِناء شَرِبْتُ ما فيه حتى وصلت إِلى قَعْرِهِ، وأَقْعَرْتُ البِئْرَ أي جَعَلْتُ له قَعْراً٢٠.
فصل
تنزع الناس تَقْلَعُهُمْ ثُمَّ تَرْمِي بهم على رؤوسهم فتدق رِقَابَهُمْ. وروي : أنها كانت تنزع الناس من قبورهم كأنهم أعجاز نخل. قال ابن عباس ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ) أصولها. وقال الضحاك : أوراك نخل منقعر منقلع من مكانه ساقطٍ على الأرض٢١ وقال : أعجاز نخل وهي أصولها التي قلعت فروعها، لأن الكفّار تبين رؤوسهم من أجسادهم فتبقى أجسادهم بلا رؤوس. قال ابن الخطيب : تَنْزِعُهُمْ نزعا بعُنْف كأنهم أعجاز نخل منقعر٢٢ فينقعروا.
وهذا إشارة إلى قوتهم وثباتهم على الأرض، ويكون ذلك إشارةً إلى عظم أجسادهم أو إلى ثباتهم في الأرض فكأنهم كانوا يجعلون أرجُلهمْ في الأرض ويقصدون المنع به على الرِّيح٢٣.
قال ابن إسحاق : لما هاجت الريح قام سبعة نَفَر من عاد من أقواهُم وأحْسَمِهمْ منهم عمرو بنُ الحُلِيّ، والحارث بن شدّاد والهِلْقَامُ وابنا تِقْن وخَلْجَانُ بن سعد فألجأوا٢٤ العِيَالَ في شِعْب بينٍ جَبَلَيْن ثم اصطفّوا على جانبي الشِّعْب ليردُّوا الريح عمن في الشِّعْب من العِيال فجعلت الريح تَجْعفُهُمْ٢٥ رجلاً بعد رجلٍ، فقالت امرأة عاد :
أو يكون إشارة إلى يُبْسِهِمْ وجفافهم بالريح، فهي كانت تقتلهم وتحرقهم ببردها المفرط فيقعون كأنهم أخشاب يابسة. ذَهَبَ الدَّهْرُ بِعَمْرِو بْ نِ حُلِيٍّ والهَنِيَّاتِ ثُمَّ بالحَارِثِ والهِلْ لقَام طلاَّعِ الثَّنِيَّاتِ والَّذِي سَدَّ مَهَبَّ الرْ رِيحِ أَيَّامَ البَلِيَّاتِ٢٦
فصل
( قال ) المفسرون : ذكر النخل هنا، وقال :«منقعر » وأنثه في الحاقّة، وقال : أعجاز نخل خاوية لأجل الفواصل كقوله : مُسْتَمِرّ، ومُنْهَمِر، ومُنْتَشِر.
وقيل : إِن النَّخْل لفظه لفظ واحد، ومعناه الجمع، فيقال : نَخْلٌ مُنْقَعِرٌ، ومُنْقَعِرَةٌ ومُنْقَعِرَاتٌ، ونَخْلٌ خاوٍ وخَاوِيةٌ وخَاوِيَاتٌ ونَخْلٌ بَاسِقٌ وبَاسِقَةٌ وبَاسِقَاتٌ.
فإِذا قيل :«منقعر أو خاو أو باسق » فبالنظر إلى اللفظ، وإذا قيل : مُنْقَعِرَاتٌ أو خاويات أو باسقاتٌ فلأجل المعنى٢٧.
قال أبو بكر بن الأنباري : سُئِلَ المُبَرِّدُ بحضرة القَاضي إسرفيل٢٨ عن ألف مسألة هذه من جُمْلَتِهَا فقال : ما الفرق بين قوله تعالى : وَلِسُلَيْمَانَ الريح عَاصِفَةً [ الأنبياء : ٨١ ] وقال : جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ [ يونس : ٢٢ ]، وقوله : كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ [ الحاقة : ٧ ] و أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ ؟ فقال : كلّ ما ورد عليك من هذا القرآن، فإن شئت رددته إلى اللفظ تذكيراً أو إلى المعنى تأنيثاً٢٩.
قال ابن الخطيب : ذكر الله لفظ النخل في مواضع ثلاثة ووصفها على الأوجه الثلاثة، قال : والنخل بَاسِقَاتٍ [ ق : ١٠ ] وذلك حال عنها وهي كالوصف وقال :«نَخْلٍ خَاوِيَةٍ » و«نَخْلٍ مُنْقَعرٍ » فحيث قال :«مُنْقَعِرٍ » كان المختار ذلك، لأن المنقعر في حقيقة الأمر كالمَفْعُول ؛ لأنه ورد عليه القَعْر، فهو مَقْعُورٌ، و«الخَاوِي والباسق » فاعل وإخلاء المفعول من علامة التأنيث أولى، تقول : امْرَأَةٌ قَتِيلٌ٣٠. وأما الباسقاتُ فهي فاعلاتٌ حقيقة، لأن البُسُوقَ اسم قام بها، وأما الخاويةُ فهو من باب «حَسَنِ الوَجْهِ » ؛ لأن الخاوي موضعها فكأنه قال : نَخْلٍ خَاوِيَةِ المَوَاضع، وهذا غاية الإعجاز حيث أتى بلفظ مناسب للألفاظ السابقة واللاحقة من حيث اللفظ٣١.
٢ عند قوله: فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا من الآية ١٦. كما تقدم في الذاريات عند: فأقبلت امرأته في صرّة من الآية ٢٩، وسيجيء في الحاقة عند قوله: فأُهلكوا بريح صرصر من الآية ٦ وانظر اللسان (صرصر) ٢٤٢٩، وغريب القرآن ٤٣٢، ومجاز القرآن ٢/٢٤٠..
٣ وانظر الرازي ١٥/٤٥ و٤٦..
٤ السابق ٤٦ و٤٧ جـ ١٥..
٥ وسبق هذا الرأي رأي البصرة والكوفة في مثل هذا..
٦ زيادة من (أ) الأصل..
٧ قال القرطبي في الجامع: وقرأ هارون الأعور نحس بكسر الحاء. الجامع ١٧/١٣٥. ولم يبين ما إذا كان صفة أم لا. وقد نقل المؤلف قراءة الحسن من البحر لأبي حيان ٨/١٧٩..
٨ الكشاف ٤/٣٩..
٩ البحر المرجع السابق..
١٠ وانظر جامع القرطبي ١٧/١٣٥..
١١ قاله أبو حيان في بحره ٨/١٧٩..
١٢ انظر السابق أيضا، قال: "إذ لو عاد بضمير المذكورين لتوهم أنه خاصّ بهم"..
١٣ أي في فصّلت الآية سابقة الذكر..
١٤ الرازي ١٥/٤٧..
١٥ قاله أبو حيان في مرجعه السابق..
١٦ حيث قال في الأنعام من الآية ٩٩: ومن النخل من طلعها قِنوان. وقال في نفس السورة عند الآية ١٤١: والنخل والزرع مختلفا أُكُله بالإضافة إلى الآيات الواردة في القرآن من سور الشعراء، والرحمان، والحاقة، و"ق" وهي شبيهة بتلك الآيات..
١٧ وهي شاذة. وانظر البحر المرجع السابق..
١٨ مشكل الإعراب ٢/٣٣٨..
١٩ قال في اللسان: عَجِزُ الشيء وعُجزُه وعِجزُه: آخره، ويذكّر ويؤنّث. وانظر اللسان "عجز" ٢٨١٧..
٢٠ السابق "قعر" ٣٦٩١..
٢١ وانظر هذا في البغوي والخازن ٦/٢٧٥ و٢٧٦..
٢٢ في كتابه: "التفسير الكبير" تقعرهم وكذا في ب..
٢٣ السابق ١٥/٤٨..
٢٤ في القرطبي" فأولجوا..
٢٥ تصرعهم وتضربهم في الأرض..
٢٦ من مجزوء الرمل مُسبّع الضرب. وانظر تلك القصة في القرطبي ١٧/١٣٦، وجامع البيان لابن جرير الطبري ١٧/٥٨..
٢٧ الرازي ١٥/٤٨..
٢٨ كذا في النسختين وفي تفسير القرطبي: إسماعيل القاضي. وهو الصحيح..
٢٩ نقله الإمام القرطبي في جامعه ١٧/١٣٧..
٣٠ في الرازي: امرأة كفيل، وامرأة كفيلة، وامرأة كبير، وامرأة كبيرة..
٣١ قاله العلامة الفخر الرازي في تفسيره الكبير ١٥/٤٨ و٤٩ واختتم كلامه بقوله: "فكان الدليل يقتضي ذلك، بخلاف الشاعر الذي يختار اللفظ على المذهب الضعيف لأجل الوزن والقافية"..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود