ﯚﯛﯜ

وقليل من الآخِرين ممن يتأخر من هذه الأمة، والمعنى : أن السابقين في أول الأمة المحمدية كثير، وفي آخرها قليل، وذلك أنَّ صدر هذه الأمة كَثُر فيها خير، وظهرت فيها أنوار وأسرار، وخرج منها جهابذة من العلماء والأولياء، بخلاف آخرها، السابقون فيها قليلون بالنسبة إلى عامة أهل اليمين، ويُؤيد هذا قوله صلى الله عليه وسلم :" خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم " ١، وصرّح في حديث آخر أنهم جميعاً من أمته، فقال :" الفرقتان من أمتي " ٢، فسابق أول الأمة ثلة، وسابق سائرها إلى يوم القيامة قليل. ه. من الثعالبي. وقيل : المراد بالأولين : الأمم الماضية، والآخرين : الأمة المحمدية، وهو بعيد أو فاسدٌ، واقتصر في نوادر الأصول على أنَّ الثلة الأنبياء، وخُتموا بمحمد صلى الله عليه وسلم ومِنْ بعده الأولياء، وعددهم قليل في كل زمان. ه. وفي المَحلِّي٣ هنا تخليط. انظر الحاشية.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : أخبر تعالى أنّ المقربين في الصدر الأول أكثر من الزمان الأخير، وهو كذلك من جهة الكمية، وأما من جهة الكيفية فالمقربون في آخر الزمان أعظم رتبةً، وأوسع علماً وتحقيقاً ؛ لأنهم نهضوا في زمان الغفلة، وجدُّوا في زمان الفترة، لم يجدوا من أهل الجدّ إلا قليلاً، ولا من أهل الحق إلا نذراً يسيراً، فحيث نهضوا وحدهم عوّضهم الله مرتبة لم يعطها لغيرهم، ويشهد لهذا قوله عليه السلام :" اشتقت إلى إخواني " قال أصحابه، نحن إخوانك يا رسول الله ؟ قال :" أنتم أصحابي، إخواني قوم يأتون بعدي، مِن نعتهم كذا وكذا " ثم قال :" يعدل عمل واحد منهم سبعين منكم " قالوا : يا رسول الله منهم ؟ قال :" منكم " قيل : بماذا يا رسول الله ؟ قال :" إنكم وجدتم على الخير أعواناً، وهم لم يجدوا عليه أعواناً ". وفي حديث آخر، رواته ثقات : قالوا : يا رسول الله ؛ هل أحد خير منا ؟ قال :" قوم يجيئون بعدكم، فيجدون كتاباً بين لوحين، يؤمنون بما فيه، ويؤمنون بي، ولم يروني، ويُصَدِّقون بما جئتُ به، ويعملون به، فهم خير منكم " ١، ولا يلزم من تفضيلهم مِن جهةٍ تفضيلهم مطلقاً.
ثم وصف المقرّبين بكونهم على سُرر الهداية، منسوجة بالعِز والعناية، محفوفة بالنصر والرعاية، متكئين عليها، راسخين فيها، متقابلين في المقامات والأخلاق، أي : يواجه بعضهم بعضاً بقلوبهم وأسرارهم، لا تَباغض بينهم ولا تحاسد، تطوف عليهم الأكوان وتخدمهم، " أنت مع الأكوان ما لم تشهد المُكوّن، فإذا شهدت المُكوِّن كانت الأكوان معك ". يُسقون بأكوابٍ وأباريق من علم الطريق، وكأس من خمر الحقيقة، فلا يتصدّعون من أجلها ؛ إذ ليست كخمر الدوالي، ولا يُنزفون : لا يسكرون سُكْر اصطلام، وإنما يسكرون سُكراً مشوباً بصَحْوٍ، إذا كان الساقي عارفاً ماهراً. وفاكهة ؛ حلاوة الشهود، مما يتخيرون، إن شاؤوا بالفكرة والنظرة، وإن شاؤوا بالذِكر والمذاكرة، وكان بعض أشياخنا يقول : خمرة الناس في الحضرة، وخمرتنا في الهدرة، أي : المذاكرة. ولحم طير من علوم الطريقة والشريعة، مما يشتهون منها، وحُورق عِين من أبكار الحقائق، مصونة عن غير أهلها، كأمثال اللؤلؤ المكنون، جزاء على مجاهدتهم ومكابدتهم. لا يسمعون في جنة المعارف لغواً ولا تأثيماً ؛ لتهذيب أخلاق أهلها، كما قال ابن الفارض رضي الله عنه :

تُهذّبُ أخلاقَ النّدامى، فيَهْتدي بها لطريقه العزم مَن لا له عَزْم
ويكرُمُ مَن لا يَعْرف الجودَ كَفّه ويحلُمُ عند الغيظ مَن لا له حِلم
فلا تسمع من الصوفية إِلا قيلاً سلاماً سلاماً، كما قيل في حقيقة التصوُّف : أخلاقٌ كرام، ظهرت من قوم كرام، في زمن كريم. هـ.

١ أخرجه البخاري في فضائل الصحابة حديث ٣٦٥٠، ومسلم في فضائل الصحابة حديث ٢١٤، ٢١٥..
٢ أخرجه البغوي في تفسيره ٨/١٨، وأبو داود الطيالسي في مسنده ١٢٠، والهيثمي في مجمع الزوائد ٧/١١٩..
٣ وفي المحلي: أي في تفسير جلال الدين المحلي..

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير