ثلة من الأولين ١٣ وثلة من الآخرين } خبر محذوف أي هم كثيرون من الأولين من هذه الأمة وكثيرون من الآخرين منهم كذا قال أبو العالية ومجاهد وعطاء ابن أبي رباح والضحاك روى البغوي بسنده عن سعيد ابن جبير عن ابن عباس في هذه الآية ثلة من الأولين ٣٩ وثلة من الآخرين قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( هما جميعا من أمتي ) وأخرج مسدد في مسنده والطبراني وابن مردويه من حديث أبي بكرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله ( ثلة من الأولين وثلة من الآخرين قال هما جميعا من أمتي لكن قال الدارقطني في علله هذا حديث أبي بكرة لم يثبت فمقتضى هذه الآية على هذا التأويل أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم لن يخلو عن أصحاب اليمين كما روى الشيخان في الصحيحين عن معاوية قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول ( لا يزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك )١ متفق عليه فإن قيل يعارضه ما روى البغوي بسنده عروة ابن رويم مرسلا قال لما أنزل الله على رسوله ( ثلة من الأولين وقليل من الآخرين ) بكى عمر رضي الله عنه فقال يا رسول الله آمنا بالله وبرسوله وصدقناه ومن ينجو منا قليل فأنزل الله عز وجل : ثلة من الأولين ٣٩ وثلة من الآخرين فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال قد أنزل الله فيما قلت فقال عمر رضينا عن ربنا وتصديق نبينا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( من آدم إلينا ثلة ومني إلى القيامة ثلة ولا يستتمها إلا سودان من رعاة الإبل من قال لا إلاه إلا الله ) وكذا أخرج ابن أبي حاتم عنه مرسلا وأخرج ابن عساكر في تاريخ دمشق من طريق عروة ابن رويم عن جابر ابن عبد الله وأخرج أحمد وابن المنذر وابن أبي حاتم بسند فيه من لا يعرف عن أبي هريرة قال لما نزلت ثلة من الأولين ١٣ وقليل من الآخرين ١٤ ثلة من الأولين ٣٩ وثلة من الآخرين شق ذلك على المؤمنين فنزلت ثلة من الأولين ٣٩ وثلة من الآخرين فإن مقتضى هذا الحديث أن الثلة من الأولين من آدم عليه السلام إلى محمد وقلت لا وجه للحمل على التعارض بين الحديثين فإن قوله عليه الصلاة والسلام ( من آدم إلينا ثلة ومني إلى القيامة ثلة ) لا ينافي قوله عليه الصلاة والسلام ( هما جميعا من أمتي ) فإنه يمكن أن يقال : إن الثلة التي من محمد صلى الله عليه وسلم إلى القيامة ينقسم إلى الثلتين من أولاهم وثلة من أخراهم والمراد بالآية كلا الثلتين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم فإن قيل لو كان ثلة من الأولين في أمة محمد صلى الله عليه وسلم فما وجه لبكاء عمر بعد نزول قوله تعالى : ثلة من الأولين ٣٩ وثلة من الآخرين ولما شق ذلك من المسلمين قلت وجه بكائه ( رضي الله عنه ) الترحم على آخر هذه الأمة وزعم أن الناجي من أخرى هذه الأمة قليل ولذلك سلي بنزول قوله تعالى : ثلة من الأولين ٣٩ وثلة من الآخرين يعني على المقربين في هذه الأمة وإن كانوا قليلا لكن أصحاب اليمين منهم كثير وكلا وعد الله الحسنى وليس قوله تعالى : ثلة من الأولين ٣٩ وثلة من الآخرين ناسخا لقوله تعالى ثلة من الأولين وقليل من الآخرين كما يدل عليه ظاهر الحديث فإن الأخبار لا يحتمل النسخ ولأن النسخ لا بد له من اتحاد المحل والآية الأولى في المقربين من أصناف الثلاثة والثانية في أصحاب اليمين فكيف يقال بالنسخ ويمكن أن يقال ثلة من الأولين يشتمل أصحاب لجميع الأنبياء وأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ومن لحقهم من التابعين فإنهم السابقون إلى الإسلام الأولون فيه ممن بعدهم الذين يعتقون آثارهم في اتباع الأنبياء يؤيده قوله تعالى : والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان ٢ والآخرون هم المتأخر وهذه الأمة عند قرب الساعة فالمقربون منهم قليل، وأما أصحاب اليمين فكثير منهم وكذا من غيرهم كما ذكرنا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة ) وقوله عليه السلام ( ثمانون صفا من هذه الأمة وأربعون من سائر الأمم ) روى البخاري عن ابن عباس قال : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فقال عرضت علي الأمم فجعل يمر النبي معه الرجل والنبي معه رجلان والنبي معه الرهط والنبي ليس معه أحد ورأيت سوادا كثيرا سد الأفق فقيل هؤلاء أمتك ومع هؤلاء سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب فقال عليه السلام هم الذين لا يتطيرون ولا يسترقون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون فتقدم عكاشة ابن محصن فقال أمنهم أنا يا رسول الله قال نعم فقام آخر فقال أمنهم أنا ؟ قال سبقك بها عكاشة ) ٣ قال البغوي وروي عن عبد الله ابن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عرضت عليه الأنبياء الليلة بأتباعها حتى أتى علي موسى في كبكة بني إسرائيل رأيتهم أعجبوني فقلت أي من هؤلاء قيل : هذا أخوك موسى ومن معه من بني إسرائيل قلت ربي فأين أمتي ؟ قيل إنها عن يمينك فإذا ظراب مكة قد سدت بوجوه الرجال فقيل هؤلاء أمتك أرضيت فقال ربي رضيت فقيل انظر عن يسارك فإذا أفق قد رصد وجوه الرجال فقيل هؤلاء أمتك أرضيت فقلت ربي رضيت رضيت فقيل إن مع هؤلاء سبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب عليهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم ( إن استطعتم أن تكونوا من السبعين فكونوا وإن عجزتم وقصرتم فتكونوا من أهل الظراب فإن أعجزتم فكونوا من أهل الأفق فإني قد رأيت ثمة أناسا يتهاشون كثيرا }.
٢ سورة التوبة الآية ١٠٠.
٣ أخرجه البخاري في كتاب الرقاق: باب يدخل الجنة سبعون ألفا بغير حساب (٦٥٤١).
التفسير المظهري
المظهري