قوله : لاَّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ صفتان للظلّ، كقوله :«مِنْ يَحْمُومٍ ».
وفيه أنه قدم غير الصريحة على الصريحة، فالأولى أن تجعل صفة ل «يحموم »، وإن كان السياق يرشد إلى الأول.
وقرأ ابن أبي١ عبلة : لا بَارِدٌ ولا كريمٌ برفعهما : أي :«هُوَ لا بَارِدٌ ».
كقوله :[ الكامل ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . *** فَأبِيتُ لا حَرجٌ ولا مَحْرُومُ٢
قال الضَّحاك :«لا بَارِدٍ » بل حار ؛ لأنه من دخان سعير جهنم، «ولا كَرِيم » عذب.
وقال سعيد بن المسيّب : ولا حسن منظره، وكل ما لا خير فيه، فليس بكريم٣.
وقيل : وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ أي : من النَّار يعذبون بها كقوله تعالى : لَهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ النار وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ [ الزمر : ١٦ ].
قال الزمخشري٤ :«كرم الظل نفع الملهوف، ودفع أذى الحرّ عنه ».
قال ابن الخطيب٥ : ولو كان كذلك لكان البارد والكريم بمعنى واحد، والأقوى أن يقال : فائدة الظل أمران :
أحدهما : دفع الحر.
والآخر : كون الإنسان فيه مكرماً ؛ لأن الإنسان في البرد يقصد الشمس ليدفأ بحرّها إذا كان قليل الثِّياب، وفي الحرّ يطلب الظِّل لبرده، فإذا كان من المكرمين يكون أبداً في مكان يدفع الحر والبرد عن نفسه، فيحتمل أن يكون المراد هذا.
ويحتمل أن يقال : الظل يطلب لأمر حسّي، وهو يرده، ولأمر عقلي وهو التّكرمة، وهذا معنى ما نقله الواحدي عن الفرَّاء بنفي كل شيء مستحسن، فيقولون :«الدار لا واسعة ولا كريمة ».
٢ تقدم..
٣ ذكر البغوي في "تفسيره" (٤/٢٨٦)..
٤ ينظر بتصرف الكشاف ٤/٤٦٣..
٥ ينظر: الفخر الرازي ٢٩/١٤٧، ١٤٨..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود