وهذه الآية اعلموا أنَّ الله يُحيي الأرضَ بعد موتها قيل : هذا تمثيل لأثر الذكر في القلوب، وأنه يُحييها كما يُحيي الغيثُ الأرض، وفيه إرشاد إلى أنَّ طريق زوال القسوة ليس إلاَّ الالتجاء إلى الله، ونفى الحول والقوة ؛ لأنه تعالى القادر وحده على ذلك، كما أنه وحده يُحيي الأرض، قد بيّنا لكم الآيات التي من جملتها هذه الآية، لعلكم تعقلون كي تعقلوا ما فيها، وتعملوا بموجبها، فتفوزوا بسعادة الدارين. والله تعالى أعلم.
اعلموا أن الله يُحيي أرض القلوب بالعلم والمعرفة، بعد موتها بالغفلة والجهل، قد بيَّنَّا الآيات لمَن يتدبّر ويعقل. إذا قسا القلبُ لم تنفعه موعظةٌ كالأرض إن سبختْ لم ينفع المطرُ
الإشارة : خشوع القلب لذكر الله هو ذهوله وغيبته عند سطوع أنوار المذكور، فيغيب الذاكر في المذكور، وهو الفناء، والخشوع لسماع ما نزل من الحق : أن يسمعه من الحق، لا من الخلق، وهو أقصى درجات المقربين. ثم نهى تعالى الخواص أن يتشبّهوا بأهل العلوم الرسمية اللسانية ؛ لأنه طال بهم الأمل، وتنافسوا في الرئاسة، وتهالكوا في الحظوظ العاجلة، حتى قست قلوبهم، وخرجوا عن الإرادة بالكلية، قال القشيري : وقسوة القلب إنما تحصل من اتباع الشهوة ؛ فإن الشهوة والصفوة لا يجتمعان، وموجِبُ القسوة : انحرافُ القلب عن مراقبة الربِّ، ويقال : موجب القسوة أوله خطرة، فإنْ لم تتدارَكْ صارت فكرة، وإن لم تتدارَكْ صارت عزيمة، فإن لم تتدارَكْ صارت مخالفة، فإن لم تتلافَ صارت قسوةً، وبعد ذلك طبع ودين. هـ. وحينئذ لا ينفع الوعظ والتذكير، كما قال الشاعر :
| إذا قسا القلبُ لم تنفعه موعظةٌ | كالأرض إن سبختْ لم ينفع المطرُ |
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي