ثم نبه كتاب الله إلى أنه إذا وقع المؤمنون في غفلة عن كتاب الله المنزل لهدايتهم، وطال عليهم الأمد وقست قلوبهم، كما طال الأمد على أهل الكتاب قبلهم وقست قلوبهم، فإن باب التوبة يظل مفتوحا في وجوه المؤمنين، وفي إمكانهم أن يعودوا إلى الله، ويرجعوا إليه تائبين خاشعين، وبذلك تلين قلوبهم لذكر الله، ويعتصمون من جديد بحبل الله، وتشرق عليهم شمس الإيمان بضيائها وحرارتها وجاذبيتها، ويعود كتاب الله بين أظهرهم حيا مذكورا، بعد أن تركوه في فترة الغفلة مهجورا، وإلى هذا المعنى يلوح قوله تعالى في نفس السياق : اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها قد بينا لكم الآيات لعلكم تعقلون١٧ ، وإذا كانت الأرض تحيا بفضل الله بعد موتها، فتزخر بالخيرات والثمار، وتصبح مضرب المثل في الخصب والنماء والازدهار، فإن القلوب القاسية لا تقل عن الأرض الميتة استعدادا للخير والصلاح، وفي إمكانها أن تلين أيضا بذكر الله بعد قسوتها، وأن تحيا بهدايته بعد موتها، وأن ينجلي بنوره الصدأ عن مرآتها، وأن يعود إليها الإشراق والتألق الذي تمتاز به قلوب المؤمنين حقا، المعتصمين بكتاب الله، والملتزمين لرضاه.
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري