ﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽ

هذا الشوط امتداد لموضوع السورة الرئيسي : تحقيق حقيقة الإيمان في النفس، حتى ينبثق عنها البذل الخالص في سبيل الله. وفيه من موحيات الإيمان، ومن الإيقاعات المؤثرة، قريب مما اشتمل عليه الشوط الأول، بعد ذلك المطلع العميق المثير.
وهو يبدأ برنة عتاب من الله - سبحانه - للمؤمنين، الذين لم يصلوا إلى تلك المرتبة التي يريدها الله لهم ؛ وتلويح لهم بما كان من أهل الكتاب قبلهم من قسوة في القلوب وفسق في الأعمال، وتحذير من هذا المآل، الذي انتهى إليه أهل الكتاب بطول الأمد عليهم. مع إطماعهم في عون الله الذي يحيي القلوب كما يحيي الأرض بعد موتها.
فإذا انتهت هذه اللمسة تبعتها لمسة أخرى - مجالها العالم الآخر - وتكررت الدعوة إلى إقراض الله قرضا حسنا، مع بيان ما أعده الله لمن يقرضونه في الدنيا من العوض المضاعف والأجر الكريم.. على نحو مما جاء في الشوط الأول.
ولمسة ثالثة بوضع قيم الدنيا كلها في ميزان الله إلى جانب قيم الآخرة.. حيث تبدو قيم الأرض لعبا خفيفة الوزن ؛ وترجح كفة الآخرة ويبدو فيها الجد الذي يستحق الاهتمام.
ومن ثم يهتف بهم ليسابقوا إلى قيم الآخرة.. في جنة عرضها كعرض السماء والأرض. أعدت للذين آمنوا بالله ورسله.
ولمسة رابعة ترجع بهم من ساحة الآخرة إلى ما هم فيه من واقع الحياة وأحداثها، فتعلق قلوبهم بقدر الله فيها. في السراء والضراء سواء. ومن ثم يهون عليهم البذل، ولا يزدهيهم من أعراض الأرض شيء ؛ وترتبط أحاسيسهم كلها بالسماء.
وبعد ذلك يعرض عليهم طرفا من تاريخ دعوة الله في الأرض، تبدو فيه وحدة المنهج، واستقامة الطريق. وأن الذي يحيد عنه في كل عهد هم الفاسقون. ويلوح لهم بما كان من بعض أهل الكتاب كما لوح لهم في أول الشوط. لينتهي من هذا الهتاف الأخير لهم بتقوى الله والإيمان برسوله، ليؤتيهم كفلين من رحمته، ويجعل لهم نورا يمشون به ويغفر لهم. ففضل الله ليس وقفا على أهل الكتاب كما يزعمون. إنما هو بيد الله يؤتيه من يشاء ( والله ذو الفضل العظيم )..
وهكذا تكون السورة من أولها إلى آخرها مترابطة الحلقات، في خط واحد ثابت، تتوالى إيقاعاتها على القلوب، منوعة ومتشابهة. فيها من التكرار القدر اللازم لتعميق أثر الإيقاع في القلب، وطرقه وهو ساخن بحرارة الإيقاع بعد الإيقاع !
ولكن لا يأس من قلب خمد وجمد وقسا وتبلد. فإنه يمكن أن تدب فيه الحياة، وأن يشرق فيه النور، وأن يخشع لذكر الله. فالله يحيي الأرض بعد موتها، فتنبض بالحياة، وتزخر بالنبت والزهر، وتمنح الأكل والثمار.. وكذلك القلوب حين يشاء الله :
( اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها )..
وفي هذا القرآن ما يحيي القلوب كما تحيا الأرض ؛ وما يمدها بالغذاء والري والدفء :
( قد بينا لكم الآيات لعلكم تعقلون )..

في ظلال القرآن

عرض الكتاب
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير