ﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬ

أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين نُهُواْ عَنِ النجوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ هؤلاء الذين نهوا، ثم عادوا لما نهوا عنه هم من تقدّم ذكره من المنافقين واليهود. قال مقاتل : كان بين النبيّ صلى الله عليه وسلم وبين اليهود مواعدة، فإذا مرّ بهم الرجل من المؤمنين تناجوا بينهم حتى يظنّ المؤمن شرّاً، فنهاهم الله فلم ينتهوا، فنزلت.
وقال ابن زيد : كان الرجل يأتي النبيّ صلى الله عليه وسلم فيسأله الحاجة، ويناجيه والأرض يومئذٍ حرب فيتوهمون أنه يناجيه في حرب أو بلية أو أمر مهمّ فيفزعون لذلك ويتناجون بالإثم والعدوان وَمَعْصِيَةِ الرسول قرأ الجمهور : يَتَنَاجُونَ بوزن يتفاعلون، واختار هذه القراءة أبو عبيد وأبو حاتم لقوله فيما بعد : إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلاَ تتناجوا . وقرأ حمزة وخلف وورش عن يعقوب :( وَيَنْتَجُونَ ) بوزن يفتعلون، وهي قراءة ابن مسعود وأصحابه، وحكى سيبويه أن تفاعلوا وافتعلوا يأتيان بمعنى واحد نحو تخاصموا واختصموا وتقاتلوا واقتتلوا ومعنى الإثم : ما هو إثم في نفسه كالكذب والظلم، والعدوان ما فيه عدوان على المؤمنين ومعصية الرسول : مخالفته. قرأ الجمهور : ومعصية بالإفراد. وقرأ الضحاك وحميد ومجاهد :( ومعصيات ) بالجمع وَإِذَا جَاءوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيّكَ بِهِ الله قال القرطبي : إن المراد بها اليهود كانوا يأتون النبيّ صلى الله عليه وسلم فيقولون : السام عليك يريدون بذلك السلام ظاهراً وهم يعنون الموت باطناً، فيقول النبيّ صلى الله عليه وسلم :«عليكم ». وفي رواية أخرى :«وعليكم » وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ أي فيما بينهم لَوْلاَ يُعَذّبُنَا الله بِمَا نَقُولُ أي هلا يعذبنا بذلك، ولو كان محمد نبياً لعذبنا بما يتضمنه قولنا من الاستخفاف به، وقيل المعنى : لو كان نبياً لاستجيب له فينا حيث يقول : وعليكم، ووقع علينا الموت عند ذلك حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ عذاباً يَصْلَوْنَهَا يدخلونها فَبِئْسَ المصير أي المرجع، وهو جهنم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج أحمد وعبد بن حميد والبزار وابن المنذر والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الشعب. قال السيوطي بسندٍ جيد عن ابن عمر : إن اليهود كانوا يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم : السام عليك، يريدون بذلك شتمه، ثم يقولون في أنفسهم : لولا يعذبنا الله بما نقول ، فنزلت هذه الآية وَإِذَا جَاءوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيّكَ بِهِ الله . وأخرج أحمد وعبد بن حميد والبخاري والترمذي وصححه عن أنس :«أن يهودياً أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه فقال : السام عليكم، فردّ عليه القوم، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم : هل تدرون ما قال هذا ؟ قالوا : الله أعلم، سلم يا نبيّ الله، قال : لا، ولكنه قال كذا وكذا ردّوه عليّ فردّوه، قال : قلت : السام عليكم ؟ قال : نعم، قال النبيّ صلى الله عليه وسلم عند ذلك : إذا سلم عليكم أحد من أهل الكتاب، فقولوا : عليك ما قلت قال : وَإِذَا جَاءوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيّكَ بِهِ الله ». وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن عائشة قالت :«دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم يهود، فقالوا : السام عليك يا أبا القاسم، فقالت عائشة : عليكم السام واللعنة، فقال : يا عائشة إن الله لا يحب الفحش ولا المتفحش، قلت : ألا تسمعهم يقولون السَّام ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أو ما سمعتني أقول : وعليكم فأنزل الله : وَإِذَا جَاءوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيّكَ بِهِ الله ». وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في هذه الآية قال : كان المنافقون يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حيوه : سام عليك فنزلت. وأخرج ابن مردويه عنه قال :«كان النبيّ صلى الله عليه وسلم إذا بعث سرية وأغزاها التقى المنافقون فأنغضوا رءوسهم إلى المسلمين ويقولون : قتل القوم، وإذا رأوا رسول الله تناجوا وأظهروا الحزن، فبلغ ذلك من النبيّ صلى الله عليه وسلم ومن المسلمين، فأنزل الله : يأيها الذين ءامَنُواْ إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلاَ تتناجوا بالإثم والعدوان وَمَعْصِيَةِ الرسول الآية». وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث، فإن ذلك يحزنه». وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي سعيد قال : كنا نتناوب رسول الله صلى الله عليه وسلم يطرقه أمر أو يأمر بشيء فكثر أهل النوب والمحتسبون ليلة حتى إذا كنا أنداء نتحدّث، فخرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم من الليل فقال :«ما هذه النجوى ؟ ألم تنهوا عن النجوى ؟ قلنا : يا رسول الله إنا كنا في ذكر المسيح فرقاً منه، فقال : ألا أخبركم مما هو أخوف عليكم عندي منه ؟ قلنا : بلى يا رسول الله. قال : الشرك الخفيّ أن يقوم الرجل يعمل لمكان رجل». قال ابن كثير : هذا إسناد غريب، وفيه بعض الضعفاء.


فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني

الناشر دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
سنة النشر 1414
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية