ثم أمر المؤمنين بعكس ذلك، فقال : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلاَ تَتَنَاجَوْاْ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْاْ بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ .
يقول الحق جلّ جلاله : يا أيها الذين آمنوا إِذا تناجيتم في أنديتكم وفي خلواتكم فلا تتناجَوا بالإِثم والعدوانِ ومعصيتِ الرسول كفعل هؤلاء المنافقين، وتناجَوا بالبِرِّ والتقوى أي : بما تضمن خير المؤمنين، والاتقاء عن معصية الرسول صلى الله عليه وسلم، أو : بأداء الفرائض وترك المعاصي، واتقوا اللهّ الذي إِليه تحشرون فيُجازيكم بما تتناجون به من خير أو شر.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : يا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم مع قلوبكم وأسراركم فلا تتناجوا بالإثم، وهو تدبير أمر الدنيا وشؤونها، بل غيبوا عنها يأتيكم نصيبكم منها، مع الفوز بالحضور مع الله، ولا تتناجوا بالعدوان، وهو شغل القلب بأمر الخلق، دفعاً وجلباً، ضرّاً ونفعاً، إذ ليس بيدهم شيء، ومعصية الرسول، وهو إضمار ترك السُنة، أو مخالفة أمر المشايخ، وتَناجَوا بالبر، وهو الفكرة في عظمة الله، والتقوى، وهو الغيبة عما سوى الله بِحَصر القلب عن الخروج من الحضرة، واتقوا الله بترك ما سواه، الذي إليه تُحشرون فيُدخلكم في مقعد صدق عند مليك مقتدر. إنما النجوى، أي : الفكرة في الدنيا، من الشيطان ؛ لأنّ له بيتاً في القلب لجهة الشمال، إذا ذكر الله خنس، وإذا غفل القلب وسوس بهموم الدنيا، ليَحْزُن الذين آمنوا ؛ ليكدر عليهم وقتهم، وليس بضارِّهم شيئاً إذا قَوِيَ نور الإيمان إلاّ بإذن الله ومشيئته، فلا تسليط له من نفسه. وعلى الله فليتوكل المؤمنون، فإذا صحّ توكلهم حَفِظَهم منه، لقوله تعالى : إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [ النحل : ٩٩ ]، وقد تقدّم عن القشيري : أنّ الأقوياء لا يلحقهم شيء من حزنه وإضراره. وبالله التوفيق.