والذين جاءوا من بعدهم أي بعد المهاجرين والأنصار وهم الذين أسلموا من الصحابة بعد الفتح والمؤمنون بعد الفريقين إلى يوم القيامة، يقولون من فاعل جاؤوا ربنا اغفر لنا ولإخواننا في الدين الذين سبقونا بالإيمان فإن السابقين لهم حق على اللاحقين حيث اهدوا بالإيمان والشرائع بتوسطهم كما اهتدوا أولئك بتوسط النبي صلى الله عليه وسلم ولا تجعل في قلوبنا غلا حقدا وحسدا وبغضا للذين آمنوا من قبل من المهاجرين والأنصار، ربنا إنك رؤوف رحيم فكل من كان في قلبه غل على أحد من الصحابة ولم يترحم على جميعهم فإنه ليس ممن عناه الله بهذه الآية، قال ابن أبي ليلى الناس على ثلاثة منازل الفقراء المهاجرين والذين تبؤوا الدار والإيمان والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان فاجهد أن لا تكون خارجا من هذه المنازل روى البغوي بسنده عن عائشة قالت أمرتم بالاستغفار لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يسموهم سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول :( لا يذهب هذه الأمة حتى تلعن آخرها وأولها } وروى صاحب الفصول من الإمامية الإثنا عشرية إلى جعفر محمد ابن علي الباقر أنه قال لجماعة خاضوا في أبي بكر وعمر وعثمان أنا أشهد أنكم لستم من الذين قال الله فيهم والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان الآية : وفي الصحيفة الكاملة أنه كان من دعاء الإمام علي ابن الحسين رضي الله عنه اللهم صل على أصحاب محمد خاصة الذين أحسنوا النصيحة والذين أبلوا البلاء الحسن في نصره وكافئوه وأسرعوا إلى وفادته وسابقوا إلى دعوته واستجابوا له حيث أسمعتهم حجة رسالاته، وفارقوا الأزواج والأولاد في إظهار كلمته، وقاتلوا الآباء والأبناء في تثبيت نبوته وانتصروا به، ومن كانوا منطوين في محبته يرجون تجارة لن تبور في مودته، والذين هجرتهم العشائر إذا تعلقوا بعروته وانتفت منهم القرابات أو سكنوا في ظل قرابته فلا تنس لهم اللهم ما تركوا له وفيك وأرضهم من رضوانك وبما حاشوا الخلق عليك وكانوا مع رسولك دعاه لك إليك وأشكرهم على هجرهم فيك ديار قومهم وخروجهم من سعة المعاش إلى ضيقه اللهم وصل على التابعين لهم بإحسان الذين يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان خير جزائك الحديث : قال مالك ابن معول قال عامر ابن شرحبيل الشعبي يا مالك تفاضلت اليهود والنصارى على الرافضة بخصلة سئلت اليهود من خير أهل ملتكم فقالوا أصحاب موسى وسئلت النصارى من خير أهل ملتكم فقالوا حواري عيسى وسئلت الرافضة من شر أهل ملتكم فقالوا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أمروا بالاستغفار لهم فسبوهم فالسيف عليهم مسلول إلى يوم القيامة لا يقوم لهم راية ولا يثبت لهم أقدام ولا يجتمع لهم راية ولا يثبت لهم أقدام ولا يجتمع لهم كلمة كلما أوقدوا نار للحرب أطفأ الله بسفك دمائهم وتفريق شملهم وإدحاض جهنم أعاذنا الله وإياكم من الهواء المضلة قال مالك ابن أنس من يبغض أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أو كان في قلبه عليهم غل فليس لهم حق في فيء المسلمين ثم تلا ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى حتى أتى على هذه الآية : للفقراء المهاجرين والذين تبوءو الدار والإيمان والذين جاءو من بعدهم إلى قوله تعالى : رءوف رحيم قال أكثر المفسرين الذين تبوؤوا الدار والإيمان للفقراء الذين جاؤوا من بعدهم وعلى هذا وصف الفقر شرط لاستحقاق الفرق الثلاثة وعندي الذين تبوؤوا معطوف على الفقراء ووصف الفقر ليس شرطا لاستحقاق واحد منهم كيف وابن السبيل مصرف اتفاقا مع أنه لا يسمى فقيرا، أو إنما ذكر وصف الفقر في المهاجرين جريا على الغالب لأن أكثر المهاجرين حينئذ كانوا فقراء لا للاحتراز كما أن في قوله تعالى : وربائبكم التي في حجوركم ١ كونهن في الحجور ليس للاحتراز بل خرج مخرج العادة جريا على الغالب وإنما قلت هكذا للإجماع على أن مال الفيء هو للمسلمين كافة غنيهم وفقيرهم يصرف في مصالحهم ويعطي لقضاة المسلمين وعمالهم وعلمائهم وإن كانوا أغنياء وكذا للمقاتلة سواء كانوا غنيا وفقيرا، وكان أبو بكر رضي الله عنه يقسم المال بين الناس على السوية وكان عمر رضي الله عنه يفضل في القسمة بفضلهم. قال أبو يوسف في كتاب الخراج حدثني ابن أبي نجيح قال قدم علي ابن أبي بكر الصديق رضي الله عنه مال فقال من كان له عند النبي صلى الله عليه وسلم عدة فليأت فجاء جابر ابن عبد الله فقال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم لو جاء ومال البحرين أعطيتك هكذا وهكذا يشير بكفيه فقال له أبو بكر خذ فأخذ بكفيه ثم عدة فوجده خمسمائة فقال خذ إليها ألفا أخذ ألفا ثم أعطى كل إنسان كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وعده شيئا وبقي بقية من المال فقسمه بين الناس بالسوية على الصغير والكبير والحر المملوك والأنثى فخرج على تسعة دارهم وثلث لكل إنسان فلما كان العام المقبل جال أكثر من ذلك فقسمه بين الناس فأصاب كل إنسان عشرون درهما فجاء ناس من المسلمين قالوا يا خليفة رسول الله إنك قسمت هذا فسويت بين الناس وعن الناس أناس لهم فضل وسوابق وقدم فلو فضلت أهل السوابق والقدم والفضل بفضلهم قال فقال أما ما ذكرتم من السوابق والقدم فما أعرفني بذلك وإنما ذلك شيء ثواب على الله هذا معاش فالأسوة فيه خير من الأثرة فلما كان عمر ابن الخطاب رضي الله عنه وجائن الفتوح فضل وقال لا أجعل من قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم كمن قاتل معه ففرض أهل السوابق والقدم من المهاجرين والأنصار فمن شهد بدرا خمسة آلاف خمسة آلاف ولمن كان له إسلام كإسلام بدر دون ذلك أنزلهم على قدر منازلهم من السوابق. قال أبو يوسف وحدثني أبو معشر قال حدثني عمر مولى عفرة وغيره قال لما جاءت عمر ابن الخطاب الفتوح وجائته الأموال قال أن أبا بكر رأى في هذا المال رأيا ولي فيه رأي آخر لا أجعل من قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم كمن قاتل معه ففرض للمهاجرين والأنصار فمن شهد بدرا أربعة آلاف وفرض لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم اثنى عشر ألفا إلا صفية وجويرية فإنه فرض لهما ستة آلاف ستة آلاف فأبيا أن يقبلا فقال لهما إنما فرضت لهن للهجرة فقالتا لا إنما فرضت لهن لمكانهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان لنا مثله فعرف ذلك عمر ففرض لهما اثنى عشر ألفا اثنى عشر ألفا وفرض للعباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنى عشرة ألفا وفرض لأسنان ابن زيد أربعة آلاف وفرض لعبد الله ابن عمر ثلاثة آلاف فقال يا أبت لم زدته علي ألفا ما كان لأبيه من الفضل ما لم يكن لأبي وما كان له ما لم يكن لي فقال إن أبا أسامة كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أبيك وكان أسامة أحب إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم وفرض لأبناء المهاجرين والأنصار ألفين ألفين، فمر به عمرو ابن أبي سلمة فقال زيدوه ألفا فقال له محمد ابن عبد الرحمان ابن جحش ما كان لأبيه أبي سلمة ما لم يكن لآبائنا وما كان له ما لم يكن لنا ؟ فقال عمر إني فرضت له بأبيه أبي سلمة ألفين وزدته بأمه أم سلمة ألفا فإن كانت لك أم مثل أم لمة زدتك ألفا وفرض لأهله والناس ثمانمائة فجاءه طلحة ابن عبيد الله بأخيه ففرض له ثمانمائة فمر به النضير ابن أنس فقال عمر افرضوا له ألفين، فقال إن أبا هذا يعني يوم أحد فقال ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت ما أراه إلا قد قتل فسل سيفه وكسر غمده وقال إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قتل فإن الله حي لا يموت فقاتل حتى قتل وهذا يرعى الشاء في مكان كذا وكذا فعمل عمر بهذا خلافته. قال أبو يوسف وحدثني محمد ابن إسحاق عن أبي جعفر إن عمر لما أراد أن يفرض للناس وكن رأيه آخر من رأيهم قالوا له أبدا بنفسك فقال لا فبدأ بالأقرب فالأقرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم ففرض للعباس ثم لعلي حتى وإلى بين خمس. . . حتى انتهى إلى عدي ابن كعب، قال حدثنا المخالد ابن سعيد عن الشعبي عمن شهد عمر ابن الخطاب قال لما فتح الله عليه الفارس والروم جمع ناسا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقال ما ترون فإني أرى أن أجعل عطاء الناس في كل سنة وأجمع المال فإنه أعظم للبركة قالوا ضع ما رأيت فإنك إن شاء الله موفق ففرض الأعطيات فقال بمن أبدأ فقال عبد الرحمان ابن عوف أبدأ بنفسك فقال لا والله ولكن أبدأ ببني هاشم رهط النبي صلى الله عليه وسلم فكتب من شهد بدرا من بني هاشم من مولى أو عربي لكل رجل منهم خمسة آلاف وللعباس ابن عبد المطلب اثنى عشر ألفا ثم فرض لمن شهد بدرا من بني أمية ابن عبد الشمس ثم الأقرب فالأقرب إلى بني هاشم ففرض للبدريين أجمعين عربيهم ومولاهم خمسة آلاف وللأنصار أربعة آلاف أربعة آلاف وكان أول أنصاري فرض له محمد ابن مسلمة ولأزواج النبي صلى الله عليه وسلم عشرة آلاف ولعائشة إثني عشر ألفا ولمهاجرة حبشة أربعة آلاف ولعمر ابن أبي سلمة لمكان أم سلمة أربعة آلاف فقال محمد ابن عبد الله ابن جحش لم تفضل علينا ؟ فذكر نحو ما ذكر في الحديث السابق وللحسن والحسين خمسة آلاف لمكانهما من رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم فرض للناس ثلاثمائة وأربعمائة لعربي والمولى وفرض لنساء المهاجرين والأنصار ستمائة وأربعمائة وثلاثمائة ومائتين وفرض لأناس من المهاجرين ألفين ألفين وفرض لبرقيل حين أسلم ألفين وقال له دع أرضي في يدي أعمرها وأؤدي عنها الخراج ما كانت تؤدي فرفض. قال أبو يوسف وحدثني محمد ابن عمرو ابن علقمة عن أبي سلمة ابن عبد الرحمان ابن عوف عن أبي هريرة فذكر حديثا وفيه فرض للمهاجرين خمسة خمسة آلاف وللأنصار ثلاثة آلاف ولأزواج النبي صلى الله عليه وسلم اثنا عشر اثنا عشر ألفا فلما أتى زينب بنت جحش مالها قالت يغفر الله أمير المؤمنين لقد كان في صواحباتي من هو أقوى على قسمة هذا مني فقيل أن هذا كله لك ناصرت به فغضب وغطته بثوب ثم قالت لبعض من عندها أدخلي يدك لأن فلان الفلان فلم تزل تعطي حتى قالت لها التي قلت تدخل يدها لا أراك تذكريني ولي عليك حق قالت لك ما تحت الثوب فكشفت فإذا ثمة خمسة وثمانون درهما ثم رفعت يدها فقالت اللهم لا يدركني عطاء لعمر ابن الخطاب بعد عامي هذا أبدا فكانت أول أزواج النبي صلى الله عليه وسلم لحوقا به زينب وذكر لنا أنها أسخى أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وحمل عمر ابن ثابت عطاء الأنصار فبدأ بأهل العوالي فبدأ بيني عبد الاشهل ثم الأوس لبعد منازلهم ثم الخزرج حتى كان هو آخر السائب ابن يزيد عن أبيه قال سمعت عمر ابن الخطاب رضي الله عنه يقول والله الذي لا إلاه إلا هو ما أحد إلا وله في هذا المال حق أعطيه أو منعته وما أحد أحق به من أحد إلا عبد مملوك وما أنا فيه إلا كأحدكم ولكن على منازلهم لنا من كتاب الله تعالى وقسمنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فالرجل وتلاده في الإسلام والرجل وقدمه في الإسلام والرجل وغناه في الإسلام والرجل وحاجاته في الإسلام والله لئن بقيت ليأتين الراعي لجبل صنعاء حظه من هذا المال وهو مكانه قبل أن يحمر وجهه يعني في طلبه وكان ديوان حمير على حدة وكان يفرض لأمير والجيوش والعرى في العطاء ما بين تسعة آلاف وثمانية آلاف وسبعة آلاف على قدر ما يصلحهم من الطعام وما يقومون به من الأمور، وقال كان يفرض للمنفوس إذا ترحته
مسألة :
اختلف الأئمة أن المال الذي يحصل بلا قتال كجزية وعشر تجارة وما جلوا عنه خوفا، وما صولحوا عليه ومال مرتد قتل أو مات ومال ذمي مات بلا وارث وزكاة بني تغلب وما أهداه أهل الحرب إلى الإمام وكذا أخراج الأرض هل يخمس أم لا ؟ ، فقال أبو حنيفة ومالك وأحمد في أظهر قوليه لا يخمس بل جميعه لمصالح لما صلح المسلمين كسد الثغور وبناء القناطير والجسور ويعطي قضاة المسلمين والمحتسبين وعمالهم وعلمائهم منه ما يكفيهم، ويدنو منه أرزاق المقاتلة وذراريهم كذا في الهداية، وفي التجنس يعطي المعلمين والمتعلمين ويدخل فيه طلبة العلم أيضا، وقال الشافعي في القديم لا يخمس إلا ما تركوه فزعا وهربوا وفي الجديد أنه يخمس جميع ذلك ثم يجعل الخمس خمسة أسهم سهم منها لبني هاشم وبني المطلب يشرك فيه الغني والفقير وسهم لابن السبيل ويعم الأصناف الأربعة المذكورة وقيل يخص بالحاصل في كل ناحية من فيها منهم سهم لمصالح المسلمين كسد الثغور والقضاة والعلماء ويقدم الأهم، وأما الأخماس الأربعة فالأظهر أنها للمرتزقة وهم أجناد المرصدون للجهاد فيضع الإمام ديوانا فيعطي كل واحد منهم كفاية ويقدم في الإعطاء قريشا ومنهم بني هاشم والمطلب ثم عبد الشمس ثم نوفل ثم عبد العزى ثم سائر البطون الأقرب فالأقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم الأنصار ثم سائر العرب ثم العجم ولا يثبت في الديوان أعمى ولا زمنا ولا من لا يصلح للقتال فإن فضلت الأخماس الأربعة عن حاجات المرتزقة وزع عليهم على قدر مؤنتهم والأصلح فإنه يجوز أن يقسم غلته كذلك في المنهاج، ويؤيد مذهب الجمهور في عدم التخميس ما ذكره محمد ابن يوسف الصالحي في سبيل الرشاد في أموال بني النضير أنه قال عمر ابن الخطاب يا رسول الله ألا تخمس ما أصبته ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا أجعل شيئا جعله الله تعالى دون المؤمنين بقوله تعالى : ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى الآية كهيئته ما وقع فيه السهمان، قال ابن همام ذكروا أن قول الشافعي في تخميس الجزية مخالف للإجماع قال الكرخي ما قال به أحد قبله ولا بعده ولا في عصره ووجه قوله القياس على الغنيمة قال ابن همام إنه صلى الله عليه وسلم أخذ الجزية من مجوس هجر ونصارى نجران وفرض الجزية على أهل اليمن ولم ينقل منه التخميس ولو كان لنقل وروى أبو داوود بسند فيه ضعف أن عمر ابن عبد العزيز كتب إلى عماله أن ما حكم عمر ابن الخطاب فرآه المؤمنين عدلا موافقا لقول النبي صلى الله عليه وسلم والله تعالى أعلم.
التفسير المظهري
المظهري