المعنى الجملي : بعد أن بين مصارف الفيء فيما سلف، وذكر أنه لله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين- ذكر هنا أنه أراد بهم فقراء المهاجرين الذين لهم هذه الصفات السامية، والمناقب الرفيعة، ثم مدح الأنصار ساكني المدينة وبالغ في مدحهم، فذكر لهم هذه الفضائل :
( ١ ) إنهم يحبون المهاجرين.
( ٢ ) إنهم ليس في قلوبهم حقد ولا حسد لهم.
( ٣ ) إنهم يفضلونهم على أنفسهم ويعطونهم ما هم في أشد الحاجة إليه، وما ذاك إلا لأن الله عصمهم من الشح المردي والبخل المهلك، الذي يدسي النفوس ويمنعها من اكتساب الخير وعمل البر.
ثم ذكر أن التابعين لهم بإحسان، وهم الذين يجيئون بعد المهاجرين والأنصار إلى يوم القيامة، يدعون لأنفسهم ومن سبقهم من المؤمنين بالمغفرة، ويطلبون من الله ألا يجعل في قلوبهم حقدا وحسدا لهم.
والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان أي والتابعون للفريقين بالإحسان إلى يوم القيامة يقولون : ربنا اغفر لنا ذنوبنا، واغفر لإخواننا في الدين الذين سبقونا بالإيمان.
وقال ابن أبي ليلى : الناس على ثلاث منازل : المهاجرين، والذين تبوؤوا الدار والإيمان، والذين جاؤوا من بعدهم، فاجتهد ألا تخرج من هذه المنازل.
وفي هذه الآية دليل على وجوب محبة الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، لأنه جعل لمن بعدهم حظا في الفيء ما أقاموا على محبتهم وموالاتهم والاستغفار لهم، ومن أبغضهم أو أبغض واحدا منهم أو اعتقد فيهم شرا فلا حق له في الفيء.
وإنما بدؤوا في الدعاء بأنفسهم لقوله صلى الله عليه وسلم :( ابدأ بنفسك ثم بمن تعول ).
ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا أي ويدعون الله ألا يجعل في قلوبهم حسدا وحقدا للمؤمنين جميعا.
والحقد والحسد هما رأس كل خطيئة، وينبوع كل معصية، فهما يوجبان سفك الدماء والبغي والظلم والسرقة، وسائر أنواع الفجور.
ونحو الآية قوله في سورة براءة والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه [ التوبة : ١٠٠ ].
وفي الآية إيماء إلى وجوب محبة من تقدمهم من المؤمنين ومراعاة حقوقهم لإخوتهم في الدين والسبق بالإيمان.
ربنا إنك رؤوف رحيم أي ربنا إنك عظيم الرأفة بعبادك، كثير الرحمة لهم، فأجب دعاءنا.
وفي الآية حث على الدعاء للصحابة، وصفاء القلوب من بغض أحد منهم.
وعن ابن عمر أنه سمع رجلا وهو يتناول بعض المهاجرين فقرأ عليه : للفقراء المهاجرين ، ثم قال : هؤلاء المهاجرون، أفمنهم أنت ؟ قال لا، ثم قرأ عليه والذين تبوؤوا الدار والإيمان من قلبهم الآية، ثم قال هؤلاء الأنصار فأنت منهم ؟ قال لا، ثم قرأ عليه : والذين جاؤوا من بعدهم الآية، ثم قال : أفمن هؤلاء أنت ؟ قال أرجوا، قال : ليس من هؤلاء من سبّ هؤلاء.
تفسير المراغي
المراغي