ﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿ

قوله تعالى : كَمَثَلِ الشيطان إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ اكفُر .
هذا مثل ضربه الله للمنافقين واليهود في تخاذلهم وعدم الرجاء في نصرتهم، وحذف حرف العطف ولم يقل : وكمثل الشيطان، لأن حذف حرف العطف كثير، كقولك : أنت عاقل، أنت كريم، أنت عالم١.
وقوله : كَمَثَلِ الشيطان كالبيان لقوله كَمَثَلِ الذين مِن قَبْلِهِمْ .

فصل :


روي عن النبي صلى الله عليه وسلم : أن الإنسان الذي قال له الشيطان : اكفر ؛ راهب، نزلت عنده امرأة أصابها لممٌ ليدعو لها فزيّن له الشيطان فوطئها فحملت، ثم قتلها خوفاً أن يفتضح، فدلّ الشيطان قومها على موضعها، فجاءوا فاستنزلوا الراهب ليقتلوه، فجاء الشيطان فوعده إن سجد له أنجاه من هذه الورطة منهم فسجد فتبرّأ منه فأسلمه، ذكره٢ القاضي إسماعيل، وعلي بن المديني، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عروة بن عامر، عن عبيد بن رفاعة الزرقي، عن النبي صلى الله عليه وسلم وذكر خبره طويلاً.
وذكر ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : كَمَثَلِ الشيطان أنه كان راهب في الفترة يقال له : برصيصا، قد تعبد في صومعته سبعين سنة لم يعص الله فيها طرفة عين حتى أعيا إبليس، وذكر خبر برصيصا بتمامه٣.
قال ابن عباس رضي الله عنهما : فضرب الله ذلك مثلاً للمنافقين مع اليهود، وذلك أن الله - تعالى - أمر نبيه أن يُجلِيَ بني النضير من «المدينة »، فدس إليهم المنافقون ألاَّ تخرجوا من دياركم، فإن قاتلوكم قاتلنا معكم، وإن أخرجوكم كنا معكم، فحاربوا النبي صلى الله عليه وسلم فخذلهم المنافقون وتبرءوا منهم كما تبرأ الشيطان من برصيصا العابد٤.
وقيل٥ : المعنى مثل المنافقين في غدرهم لبني النضير كمثل إبليس إذ قال لكفار قريش : لاَ غَالِبَ لَكُمُ اليوم مِنَ الناس وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ [ الأنفال : ٤٨ ] الآية.
وقال مجاهد : المراد بالإنسان ها هنا جميع الناس في غرور الشيطان إياهم٦.
ومعنى٧ قوله تعالى : إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ اكفُر .
أي : أغواه حتى قال : إنِّي كافر، وليس قول الشيطان : إني أَخَافُ الله رَبَّ العالمين حقيقة، إنما هو على وجه التبرُّؤ من الإنسان، فهو تأكيد لقوله تعالى : إِنِّي بريءٌ مِّنكَ .
وفتح الياء من «إني » نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وأسكن الباقون٨.
١ السابق..
٢ ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٢٩٦)، وعزاه إلى ابن أبي الدنيا في "مكايد الشيطان" والبيهقي في "شعب الإيمان"..
٣ ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٢٩٦)، وعزاه إلى ابن أبي حاتم عن ابن عباس..
٤ ذكره القرطبي في "تفسيره" (١٨/٢٨)، عن ابن عباس..
٥ ينظر: الفخر الرازي ٢٩/٢٥٣، والقرطبي ١٨/٢٨..
٦ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/٤٩)، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٢٩٧)، وعزاه إلى عبد بن حميد..
٧ القرطبي ١٨/٢٨، ٢٩..
٨ ينظر: السبعة ٦٣٢، والحجة ٦/٢٨٤، والعنوان ١٨٨، وشرح الطيبة ٦/٤٩، وشرح شعلة ٦٠١، وإتحاف ٢/٥٣١..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية