كَمَثَلِ الشيطان إِذْ قَالَ للإنسان اكفر أي مثلهم في تخاذلهم وعدم تناصرهم، فهو إما خبر مبتدأ محذوف، أو خبر آخر للمبتدأ المقدّر قبل قوله : كَمَثَلِ الذين مِن قَبْلِهِمْ على تقدير حذف حرف العطف كما تقول : أنت عاقل، أنت عالم، أنت كريم.
وقيل : المثل الأوّل خاص باليهود، والثاني خاص بالمنافقين، وقيل : المثل الثاني بيان للمثل الأوّل. ثم بيّن سبحانه وجه الشبه فقال : إِذْ قَالَ للإنسان اكفر أي أغراه بالكفر وزينه له وحمله عليه، والمراد بالإنسان هنا : جنس من أطاع الشيطان من نوع الإنسان، وقيل : هو عابد كان في بني إسرائيل حمله الشيطان على الكفر فأطاعه فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنّي بريء مّنكَ أي فلما كفر الإنسان مطاوعة للشيطان، وقبولاً لتزيينه قال الشيطان : إني بريء منك، وهذا يكون منه يوم القيامة، وجملة : إِنّي أَخَافُ الله رَبَّ العالمين تعليل لبراءته من الإنسان بعد كفره، وقيل : المراد بالإنسان هنا : أبو جهل، والأوّل أولى. قال مجاهد : المراد بالإنسان هنا : جميع الناس في غرور الشيطان إياهم، قيل : وليس قول الشيطان : إِنّي أَخَافُ الله على حقيقته، إنما هو على وجه التبرّي من الإنسان فهو تأكيد لقوله : إِنّي بَرِيء مّنكَ قرأ الجمهور : إنِّيْ بإسكان الياء. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بفتحها.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله : أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين نافقوا قال : عبد الله بن أبيّ بن سلول ورفاعة بن تابوت وعبد الله بن نبتل وأوس بن قيظي، وإخوانهم بنو النضير. وأخرج ابن إسحاق وابن المنذر وأبو نعيم في الدلائل عنه أن رهطاً من بني عوف بن الحارث منهم عبد الله بن أبيّ بن سلول ووديعة بن مالك وسويد وداعس بعثوا إلى بني النضير أن اثبتوا وتمنعوا فإننا لا نسلمكم وإن قوتلتم قاتلنا معكم وإن أخرجتم خرجنا معكم فتربصوا ذلك من نصرهم فلم يفعلوا، وقذف الله في قلوبهم الرعب، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجليهم ويكفّ عن دمائهم، على أن لهم ما حملت الإبل إلاّ الحلقة، ففعل فكان الرجل منهم يهدم بيته فيضعه على ظهر بعير فينطلق به، فخرجوا إلى خيبر، ومنهم من سار إلى الشام. وأخرج ابن مردويه عنه أيضاً في قوله : تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شتى قال : هم المشركون. وأخرج عبد الرزاق وابن راهويه وأحمد في الزهد وعبد بن حميد والبخاري في تاريخه، وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه، وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن عليّ بن أبي طالب أن رجلاً كان يتعبد في صومعة وأن امرأة كان لها إخوة، فعرض لها شيء فأتوه بها فزينت له نفسه فوقع عليها فحملت، فجاءه الشيطان فقال : اقتلها فإنهم إن ظهروا عليك افتضحت فقتلها ودفنها، فجاءوه فأخذوه فذهبوا به، فبينما هم يمشون إذ جاءه الشيطان فقال : إني أنا الذي زينت لك فاسجد لي سجدة أنجيك، فسجد له، فذلك قوله : كَمَثَلِ الشيطان إِذْ قَالَ للإنسان اكفر الآية. قلت : وهذا لا يدلّ على أن هذا الإنسان هو المقصود بالآية، بل يدلّ على أنه من جملة من تصدق عليه. وقد أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس بأطول من هذا، وليس فيه ما يدلّ على أنه المقصود بالآية. وأخرجه بنحوه ابن جرير عن ابن مسعود. وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود في قوله : كَمَثَلِ الشيطان قال : ضرب الله مثل الكفار والمنافقين الذين كانوا على عهد النبيّ صلى الله عليه وسلم، كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر .